السبت، 28 ديسمبر 2013


الرحّالة المغاربة صعقتهم المرأة الأوروبية


انطلاقاً من ستّة كتب، ذهبت الباحثة إلى قراءة تمثلات الأوروبيات في الوعي المغربي، كما أبرزته النصوص السفارية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ورغم إعجاب هؤلاء الرحالة بالنسوة الفاعلات في الفضاء العام، إلا أنّ نصوصهم كشفت عن ذهنية ذكورية صلبة تعكس دونية المرأة في عقولهم وإدراكهم
ريتا فرج
تنهض دراسة «المرأة في الرحلة السفارية المغربية خلال القرنين 18 و 19» (دار السويدي للنشر والتوزيع، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ــ 2014) على مقاربة حضور المرأة الأوروبية في كتابات الرحالة المغاربة.
تسعى مليكة نجيب التي حاز كتابها «جائزة ابن بطوطة للدراسات» (2013 ـــ 2014) في مضمار الأدب الجغرافي، إلى قراءة تمثلات الأوروبيات، حضوراً وفاعلية، في الوعي المغربي، كما أبرزته النصوص السفارية إبان الفترة المدروسة.
لا تستند الكاتبة المغربية إلى مقاربة المتن الرحلي من زاوية تحليل مضمون، بل اختارت منهجاً علمياً مغايراً. عمدت إلى توظيف الأطر المفاهيمية الحديثة، مثل مفاهيم الصورة والتمثيل والإسقاط والإدراك والعين المحدقة، والهيمنة الذكورية، والمتخيل، لمناقشة التصورات التي طغت على رؤى الرحالة إزاء المرأة الأوروبية وحضورها في المجال العام.
اختارت الباحثة ست رحلات: «نتيجة الاجتهاد، في مهادنة الجهاد، رحلة الغزال وسفراته إلى الأندلس» تأليف أحمد بن المهدي الغزال؛ و«الإكسير في فكاك الأسير» و«البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر» لمحمد بن المكناسي؛ و«صدفة اللقاء مع الجديد» لصاحبها أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الصفار، الفقيه العالم بأمور الشرع؛ و«تحفة الملك العزيز بمملكة باريز» لإدريس بن الوزير سيدي ابن ادريس العمراوي؛ و«الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية سنة 1806» لأبي الجمال محمد الطاهر بن عبد الرحمن الفاسي. استعانت أيضاً برحلات أخرى سابقة مثل رحلة أفوقاي «ناصر الدين على القوم الكافرين» و«الرحلة الأوروبية» لمحمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفلالي الذي زار فرنسا مطلع القرن العشرين.
كشفَ تحليلها لمختلف المتون الرحلية عن بنية ذهنية/ ذكورية صلبة تعكس دونية المرأة في عقول الرحالة وإدراكهم. لقد اندهشوا من الأوروبيات المندمجات في التحديث والتغيير الذي شهدته أوروبا في الحقبة التي ارتحلوا بها إلى الغرب، أي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فوجئوا بحجم الشراكة التي حظيت بها النساء، وعبروا عن انبهارهم بجمالهن وسفورهن ونبوغهن في مجالات التجارة والفنون والتفاوض. ورغم الدهشة، إلا أنّهم ارتأوا أنّ نساءهم ــ رهينات البيوت ــ والمنعزلات والمقموعات، أفضل حالاً من السافرات في الديار غير الإسلامية.
تحدد الكاتبة دواعي اختيار موضوع دراستها. أدرجتها في سياقين ذاتي وموضوعي. قرأت صور المرأة في إطار فهم تاريخي، يراعي شروط إنتاج النص، بهدف التعرف إلى الوحدات المعرفية التي فكر فيها منتجو الخطاب الرحلي، والأسئلة الى حكمت تفكيرهم.
تحاول صاحبة «لنبدأ الحكاية» الإجابة عن إشكاليتين: هل ما بثّه الرحالة هو حقائق كما يدعون، انطلاقاً من أنهم شاهدوها وعاينوها، أم أن ما نُقل عن النساء اللواتي شاهدوهن تحكمه بنية فكرية شكلت صور الرحالة؟ إنهم قدموا تمثلات عن مشاهداتهم، فكيف نوظف نحن هذا المفهوم لتفكيك الخطاب الرحلي حول المرأة؟
تعمد الباحثة إلى تطبيق منهج علمي على النصوص الرحلية المختارة. تقارعها بأدوات وعدّة منهجية، بغية فهم آليات تأسيسها وعوامله. من بين الأطر المفاهيمية المستخدمة «الصورلوجيا» أي علم الصورة، أو ما عرفته بعض الترجمات بـ«الصورية»، وهو منهج في علم الأدب المقارن، يهتم بالصور التي ينتجها أديب أو رحالة عن بلد زاره وكتب عنه، والمقصود الصور التي يصفها الكاتب من دون أن تكون مطابقة للواقع، بل تكون أحياناً نابعة من التمثلات السائدة.
تخلص صاحبة «وانفجرت ضاحكة» إلى أنّ الخطاب الرحلي لم يعكس صور المرأة الأوروبية كما هي عند الأغيار، بل تجاوز ذلك إلى إصدار أحكام قيمية مستمدة أساساً من الثقافة الدينية للرحالة وتكوينهم الفقهي.
ترفد الباحثة دراستها بمجموعة من المراجع الأجنبية المهمة، ما ساعدها في التقاط مفاصل الإشكاليات والفرضيات والمفاهيم الموظفة. وتستعين بالمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صاحب «حياة الصورة وموتها»، والفيلسوف الفرنسي هنري برغسون صاحب «المادة والذاكرة»، ومبتكر مصطلح «أركيولوجيا المعرفة» الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، والسوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو صاحب «الهيمنة الذكورية»، وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم صاحب «التمثلات الفردية والتمثلات الجمعية» وغيرهم.
تضعنا مليكة نجيب في السياق التاريخي للرحلات السفارية وشروط إنتاج المتن الرحلي السفاري. العوامل التاريخية التي رافقت هذه الرحلات التي قام بها الرحالة تقاطعت مع ظروف صعبة شهدها المغرب، ولا سيما على مستوى أزمة السلطة، والعلاقة الصدامية مع الغرب، وأسئلة التحديث التي طرحتها النخبة المثقفة.
رغم أن غاية الرحلات هي السعي إلى إطلاق سراح الأسرى في اسبانيا وفرنسا، إلا أنّ الرحالة المغاربة/ السفراء، سجلوا مشاهداتهم عن مختلف أوجه الحضارة، الإيجابية والسلبية التي أسّس لها الآخر الأوروبي، ونسبوا أسباب التفوق عنده غالباً إلى العجائبي والغرائبي. شكلت المرأة الأوروبية أبزر علامات الاستهجان لديهم، فحضرت في انطباعاتهم النمطية والإسقاطية، وأعربوا عن دهشتهم بظاهرة وجود النساء في الفضاء الخارجي، والاختلاط مع الرجال والعمل خارج المنزل، وممارسة الكوميديا والغناء والرقص. أجادوا في وصف النسوة الأوروبيات ووقفوا على تضاريس مفاتنهن وأجسادهن «وانتبهوا إلى ضمور خصورهن وامتلاء أرادفهن، وقيمة حليهن النفيسة وبذخهن ودلالهن، وذكروا إعجاب الرجل الأوروبي عند الإشادة بجمال زوجته أو أخته أو ابنته، كما وصفوا لباس النساء وتسريحات شعرهن وتناسق صدورهن».
هذا الوصف لأجساد الأوروبيات يحمل الكثير من التناقض لمعطيين: الأول سلبي تلقته الأنا الأبوية المستندة إلى المرجعية الإسلامية التي تحرّم السفور والاختلاط والتبرج؛ والثاني إيجابي في مضمونه، ينم عن انبهار الرحالة بحضور النسوة في المجال العام، واهتمامهن بأجسادهن، ما دفعهم إلى وضع وصف دقيق وتفصيلي، علماً أنّهم عابوا على الأوروبيين ذلك.
تصل الكاتبة في نهاية تحليل التمثلات التي تمظهرت في المتن الرحلي إلى ثلاث خلاصات: الأولى تشكّل بنية متحجرة تنتج خطابات تأتي في تجليات متنوعة تلتقي على تكريس دونية المرأة ومحاصرتها بين دهاليز التبعية والتهميش؛ والثانية أنّه لم يتصوّر الرحالة القيمة المضافة لدمج النساء وإشراكهن في مسلسل التحديث والتغيير؛ وأخيراً، غاب عنهم استحضار دعوة المغربيات إلى التعلم والعمل والمشاركة في صنع القرار والتحكم في الثروات.
جهدت مليكة نجيب في تقديم مادة علمية جديدة، تختلف عن دراسات الأدب الجغرافي التي اكتفت عموماً بالتفكيك. في المقابل، وقعت في الإفراط المفاهيمي على حساب مقاربة ونقد ومقارنة انطباعات الرحالة عن النساء الأوروبيات، كما تجلت في الخطاب الرحلي. كان بمقدورها أن توازن بين مكاشفة المفاهيم وتوظيفها المنهجي والقراءة التفكيكية للنصوص المنتخبة.

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

  1. مليكة نجيب وكتاب حول المرأة في أدب الرحلة



مليكة نجيب وكتاب حول المرأة في أدب الرحلة
الباحثة المغربية تتناول في بحثها عن أدب الرحلة إشكالية المساواة بين المرأة والرجل، هذه القضية التي تأتي في سياق الإشكالية التاريخية.
العرب مفيد نجم [نُشر في 22/12/2013، العدد: 9417، ص(14)]
النص الرحلي يقوم على علامات ثلاث هي 'رأيت وسمعت وكتبت'
يستمد الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطه للدراسات حول أدب الرحلة هذا العام – المرأة في الرحلة السفارية المغربية- أهميته من خلال سمتين اثنتين، أولاهما منهج البحث الأكاديمي الحديث الذي استخدمته الباحثة المغربية مليكة نجيب في دراستها الهامة وناقشت من خلاله مجموعة من المفاهيم كمفهوم الصورة والتمثل والإدراك.
وثانيتهما المرحلة الزمنية الواسعة التي تمتد على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي شهدت نشاطا رحليا وسفاريا كبيرا باتجاه أوروبا، وتجلى في كثرة المدونات الرحلية والسفارية التي دونها هؤلاء الرحالة والسفراء، حيث اختارت منها ست رحلات لتكون موضوعا للبحث عن صورة المرأة تمثلا وتمثيلا في تلك المدونات بغية الوصول إلى ما استحوذت عليه صورة المرأة من صفات وعلامات، وما عكسته من وعي نمطي ونظرة تقليدية أطّرت تلك الصورة، وجعلتها سمة تطغى على جميع المدونات الرحلية دون استثناء.
تكشف الباحثة قبل الخوض في متن البحث الدوافع التي قادتها لاختيار هذا الموضوع وتجملها في دوافع ذاتية تنبعث من اشتغالها على مقاربة النوع الاجتماعي بهدف مأسسة مبدأ المساواة بين الجنسين وتحديد تمثيلية النساء بمراكز المسؤولية في الإدارات العمومية.
أما العامل الموضوعي فيكمن في الرغبة في الاطلاع على محطات وأحداث تاريخية لمغرب القرن الثامن والتاسع عشر لا سيما ما يتعلق منه بالصراع بين الإسلام والمسيحية إلى جانب الرغبة في ملامسة الثراء الرحلي المغربي والمساهمة في عملية ضبط ومعرفة طبيعة الوجوه النسائية نظرا لحجم الفراغ الذي يلف الاهتمام بهذا الموضوع والمساهمة في خدمة التراث المغربي من خلال الاشتغال على جنس الرحلة.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تستعين بمناهج تمكنها من الدقة والتحديد وتساعدها في القبض على المعاني الخفية وهذه المناهج تتوزع على النقد التاريخي والنقد البنيوي والتأويلي والمقارن الذي يهدف إلى القراءة والتحليل والتحري سعيا وراء فهم القضايا المطروحة في هذا البحث، والتي تخصُّ المرأة كموضوع مثل مظهرها وسفورها وسلوكها واختلاطها واقتسامها مع الرجل للمجالات العامة وعلاقتها بالرجل وتفوقها في بعض الفنون.
قراءة المفاهيم
قبل الخوض في قضايا البحث تتناول الباحثة الإشكالية التي تطرحها الدعوة إلى المساواة بين المرأة والرجل مبينة أن تناول هذه القضية التي تأتي في سياق الإشكالية التاريخية يرتبط بطبيعة الجهة التي تطرحها دينية كانت أم سياسية أو اجتماعية الأمر الذي يجعل تناولها مركبا ومعقدا ومتشابكا، وهو ما ينسحب على تيارات حركة التحرر النسائية ذات الأطروحات والمواقف المتباينة.
ويتوزع البحث على أربعة فصول وخاتمة استهلتها بفصل خاص يبحث في الأطر المفهومية وأولها الصورة وما يميزها وتحولاتها حيث يتخذ مفهوم الصورة بعدين اثنين يرتبط الأول بعملية الإدراك والثاني بالبعد الذي تتحول فيه الصورة إلى بنية سردية تحاول تجسيد الواقع المشاهد وهو ما ساعدها على إعادة قراءة نصوص الرحلة السفارية والخلوص إلى أن الرحّالة لم ينقلوا واقعا شاهدوه بل عملوا على إعادة تشكيله من خلال تمثّلات تحكمت في رؤيتهم إليه.
وتعالج الباحثة في هذا السياق المفهومي موضوعات تتعلق بطبيعة الصورة النصية وكيفية فهم علاقتها بالتمثّلات لتصل بعد ذلك إلى البحث في وظائف حواس العين والأذن والإدراك كمدخل للكشف عن الكيفية التي أنتج فيها الرحالة نصوصهم الرحلية.
وبعد أن تبين أن النص الرحلي يقوم على علامات ثلاث هي رأيت وسمعت وكتبت، تبحث في العلاقة القائمة بين الخطاب الرحلي والأيديولوجيا مبينة أن وظيفة الأيديولوجيا ليست معرفية لأنها وسيلة للتجهيل أكثر منها وسيلة للتعليم بسبب ما تقوم به من تنميط للفكر.
وإذا كان السارد الرئيسي في كتاب الرحلة هو الذي يحتل مواقع الخطاب ويقوم بترتيب طبقات الحكي وفقا لقدرتها وفعاليتها على توليد الصدق لدى المتلقي، فإن الرحالة المغاربة كما تراهم في ضوء ذلك قد سقطوا في سذاجتين اثنتين هما الشيئية والمثالية من خلال ما كانوا يقومون به من تسجيل سلبي لواقع خارجي، الأمر الذي يقودها إلى العمل على تفكيك الصور والبحث في التمثّلات الذهنية التي تدعوها إلى القول بأن الرحلة صورت ما تمت مشاهدته حيث عوّض النص غياب الواقع المشاهد في الماضي بكل خصوصياته. لكن غياب هذا المماثل وحضوره في صورة مغايرة كان له جوهر وطبيعة سيميولوجية، وفي ضوء ذلك فهي تستبدل مفهوم الأيديولوجيا بمفهوم التمثل لأن الأخير له موضوع في حين أن الأيديولوجيا تعالج قسما من الموضوع.
الأنا والآخر

في بحثها تناقش مليكة نجيب مسألة الوعي بالذات
في هذا البحث تناقش مليكة نجيب أولا مسألة الوعي بالذات والذي لا يتأتى إلا عبر الاحتكاك مع الآخر لأن الإنسان لا يكتشف نفسه وهويته إلا عندما يقف أمام شخص مختلف. أما الآخر فهو عندها حمَّال أوجه متعددة ومختلفة في سردياتنا إذ اتخذ صورا عبر مسارات ومحطات وأحداث تاريخية طويلة. وفي هذا الصدد تشير الباحثة إلى أن مقاربة ثنائية الأنا والآخر تستوجب الأخذ بعين الاعتبار الامتدادات الحضارية للثقافة العربية وما حققته من تواصل ومثاقفة بين ثقافات مختلفة مما أدى إلى تشكل منظومات الحضارة الإنسانية في تمثّلات الثقافة العربية حيث جعله ذلك يرى من خلال ذلك مجالات الآخرية وأكثر الآخرين تعددا وتنوعا لكن ثمة إشكالية بدت في العلاقة بين الأنا المنبهر أمام الآخر القوي تلك الأنا التي ترتكز على ذاتها وترى فيها الخير المطلق والدين القويم في حين يفتقر الآخر لكل فضل. وتوضح الباحثة أن المقصود من تناول الأنا والآخر هو الوقوف على ظروف وملابسات إرسال رحّالتنا سفراء في مهام خاصة إلى أوروبا.
وتتناول الباحثة السياق التاريخي للرحلات السفارية التي سمحت للذات المسلمة أن تكتشف الآخر الأوروبي المسيحي حيث أملت الظروف السياسية كثرة تلك الرحلات بعد أن قوي الآخر وزادت قوته وصار يتأهب للسيطرة على الدول التي كانت دونه قوة وتقدما.
على مستوى آخر تبحث مليكة نجيب في شروط إنتاج النص الرحلي السفاري للرحالة المغاربة الذين التزموا بتنفيذ تعليمات السلاطين وتعلّق على الدور الذي قاموا به إذ أن القول بأن من بعثوا إلى أوروبا كانوا سفراء هو قول مبالغ فيه والأصح هو وصفهم بالرسل. وعندما تتناول الرحلات السفارية تمهد لها بالحديث عن الدواعي التي استوجبت القيام بها وكذلك الوجهة التي اتخذتها ومدى شرعيتها من الناحـــية الدينية إضافة إلى زمنها القصير، لتبدأ بالبحث في العلاقة بين الخطاب وبين من يقوم به والمؤسسة التي تسند له إنتاج الخطاب كتمهيد لمناقشة دور العين التي لا يمكنها أن ترى الواقع بصورة موضوعية بل من خلال رأسمال الرائي والتي تعرف ما يجب أن يقال وهي تجمل هذه العيون المحدّقة في العين التي تمثل سلطة المخزن باعتبار الرحالة مبعوثين ومكلفين بكتابة تقرير عن الرحلة إلى السلطان وعين الدين المتمثلة في الثقافة الفقهية لهؤلاء الرحالة.
وتجمل الباحثة حضور المرأة في المتن الرحلي بعد ذلك في عدد من التيمات أولها ظاهرة وجود النساء في الفضاء الخارجي والاختلاط بالرجال ثم عمل النساء خارج البيت وممارسة النساء للكوميديا والغناء والرقص إلى جانب وصف النساء.
وتخلص الباحثة إلى القول إن اللقاء الإسلامي مع الحداثة قام على منطق الانفصال والتقابل وليس على التكامل بعد أن ركز على الفقه التقليدي الأمر الذي جعل الرحالة تغيب عنهم الدعوة إلى مشاركة المرأة المغربية في صنع القرار والتحكم في الثروات، ذلك أنهم لم يعوا أهمية فك عقدة الأنثوية والذكورية.

الأحد، 27 أكتوبر 2013

جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة.. أن ترى العالم بعيون كثيرة

الإمارات تستضيف احتفالية جوائز ابن بطوطة وتحتفي بشيخ الرحالين العرب، كما تلقى المركز العربي للأدب الجغرافي دعوتان من الكويت والمغرب لاستضافة الاحتفال.
العرب محمد الحمامصي [نُشر في 27/11/2013، العدد: 9392، ص(14)]
أدونيس يسلم إحدى جوائز ابن بطوطة للفائزة مليكة نجيب
احتفلت جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي بتوزيع جوائزها للدورة التاسعة للموسم 2013 ـ 2014 التي تقام بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق المركز العربي للأدب الجغرافي ومشروعه "ارتياد الآفاق"، وقد اكتسب الاحتفال طابعا خاصا إذ استضافته مؤسسة دبي الثقافية في إطار التعاون المشترك بينها وبين مشروع "ارتياد الآفاق"، والذي يأمل أن تنتج عنه أعمال تصل أطراف العالم العربي بعضها ببعض، وتترجم شعار المركز العربي للأدب الجغرافي في أن يكون جسرا بين المشرق والمغربي وبين العرب والعالم.
"أن ترى العالم بعيون كثيرة" هي العبارة التي وسم بها الشاعر النوري الجرّاح المشرف على مشروع "ارتياد الآفاق" التابع للمركز العربي للأدب الجغرافي، كلمته الافتتاحية التي قال فيها: "هو ذا المشروع الجغرافي العربي الأول من نوعه، "ارتياد الآفاق" يواصل إنجازاته الأدبية والعلمية بفضل نخبة كبيرة من الباحثين الأكاديميين والأدباء العرب مشارقة ومغاربة" هكذا قدّم الاحتفال الذي شهدته مدينة دبي وحضرته نخبة متميزة من الكتاب والباحثين والأكاديميين والمثقفين والمبدعين العرب، من بينهم وزير الثقافة المصري صابر عرب والشاعر سيف المري المدير العام ورئيس تحرير مجلة دبي الثقافية والشاعر أدونيس والأكاديمي حاتم الصكر والروائي واسيني الأعرج ونبيل سليمان ومحمد برادة ونواف يونس وغيرهم، أكد الدور المحوري الذي تلعبه الإمارات في الحراك الثقافي العربي عبر شراكات مؤسساتها الثقافية المتنوعة.
بوابة الذات على الآخر
اسفرت قائمة الفائزين بفروع جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن الأسماء الآتية: تيسير خلف في فرع تحقيق المخطوطات عن مخطوطة "رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري في عهد الخليفتين المأمون والمعتصم"، ونور الدين شوبد عن تحقيق "الرحلة الحجازية لأبي عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الفاسي" وفي الرحلات المعاصرة فاز عبد العزيز الراشدي عن "سندباد الصحراء" ، وباسم فرات عن "مسافر مقيم"، وفي فرع اليوميات فازت "بطاقة إقامة في برج بابل" لشاكر نوري، وفي فرع الدراسات فازت مليكة نجيب عن "المرأة في الرحلة السفارية المغربية".
وقد شارك الشاعر أدونيس في الاحتفاء بالفائزين من خلال تسليم الجوائز لهم إلى جانب الروائي المغربي أحمد المديني وبحضور محمد برادة، وكانت لحظات طيبة اجتمع فيها المغرب والمشرق على جسر "ارتياد الآفاق" في ترجمة لشعار المركز الأول الفريد من نوعه في الثقافة العربية. وقد سبقت الاحتفال ندوة حول أدب الرحلة بوصفه أدب تثاقف وفضاء للتواصل بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى.
كلمة نوري الجراح أثنى فيها على المثقف الإماراتي محمد أحمد السويدي ودوره في رعاية المركز العربي للأدب الجغرافي وأنشطته المختلفة، ومؤسسة دبي الثقافية والشاعر سيف المري لتعاونها واستضافتها للجائزة، وتطرق لدور وتأثير الجائزة وإنجازاتها العلمية والأدبية وعلامات الرحلة العربية قديمها ومعاصرها، مؤكدا أن هناك كنزا من نصوص الرحلة والأدب الجغرافي يجب أن تستدخل في النسق الثقافي إبداعا وتحقيقا، فالرحالة كان يسافر في العالم ليقرأ العالم / الآخر ويقرأ ذاته من خلال العالم.
هناك كنز من نصوص الرحلة والأدب الجغرافي يجب أن تستدخل في النسق الثقافي إبداعا وتحقيقا، فالرحالة كان يسافر في العالم ليقرأ العالم الآخر ويقرأ ذاته من خلال العالم
وأشار الجراح إلى أن الأعمال المشاركة في دورة هذا العام بلغت 37 مخطوطة من مختلف البلدان العربية وتوزعت بين الرحلة المعاصرة والقديمة، وهي الأقل عددا بالنسبة إلى الدورات السابقة، ربما نتيجة الظروف التي تمر بها بعض البلدان العربية، وأن النصوص الفائزة، الرحلات المحققة: رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري التي ترصد رحلتين في عهد الخلفتين المأمون والمعتصم، والرحلة الحجازية لأبي عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الفاسي، والرحلات المعاصرة سندباد الصحراء مشاهدات من جينيف وباريس والمنامة وعمان ودمشق والقاهرة وبيروت ومراكش ومدن أخرى لعبد العزيز الراشدي، ومسافر مقيم.. عامان في أعماق الأكوادور لباسم فرات، وبطاقة إقامة في برج بابل.. يوميات باريس لشاكر نوري،، وأخيرا البحث القيم لمليكة نجيب عن المرأة في الرحلة السفارية المغربية بين القرنين 18 و19.
رحب الشاعر سيف المري المدير العام رئيس تحرير مجلة دبي الثقافية بالمثقفين والمبدعين والباحثين العرب حضور الندوة، وقال إن أدب الرحلات هو المبحث العلمي الوحيد الذي يرتبط فيه الأدب بالعلم، فالرحلات على اختلاف أنواعها نوع من السياحة والبحث في الأرض، وفي الفكر الإسلامي القديم كانت الدعوة إلى السير في الأرض عبارة عن البحث العلمي الآن "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا" إذن السير في الأرض هو نوع من البحث العلمي والإبداع الأدبي، وهناك تداخل وتشابك ما بين الأدب والسياحة والجغرافيا وشتى أنواع العلوم، واحد من علمائنا القدامى، وهو الكندي، كان أثناء الطريق في رحلة الحج، يشير في الصحراء إلى القواقع والحفريات الموجودة ويقسم بأن هذه الأرض كانت بحرا، وهذا نوع من الجغرافيا، الأمر الذي يعني أن الرحالة العربي أدرك هذا الأمر وبحثه ووثقه لكن ليس بالمنهج العلمي المعاصر".
مقاربات الرحلة
وسمى الجراح أعضاء لجنة التحكيم وهم الباحثون والمفكرون الطائع الحدادي و خلدون الشمعة، ومفيد نجم وعبد النبي ذاكر ونوري الجراح، الذين تحدثوا كل منهم عن فرع من فروع الجائزة، حيث تساءل الطائع الحدادي عن المقاربة المنهجية التي وظفها الباحثون والمحققون في تحقيق الرحلة؟ مؤكدا أن المقاربات والمناهج التي اشتغلوا عليها تتمثل في المقاربة السردية، والمقاربة السيميائية والمقاربية التكوينية وتقارب الصور ومفاهيم الصورة والأيقونة والإدراك الذي يندرج تحته بحث المرأة في الرحلة السفارية المغربية لمليكة نجيب، ولافتا أيضا إلى أن هناك نقصا في المقاربات الأسلوبية واللغوية والشعرية واللسانية.
وأوضح الحدادي أن الباحثين والمحققين جمعوا بين هذه المناهج، إذ يسهل على الباحث أن يقوم بعمله، وقال إن منجز الدراسات الأكاديمية والعلمية للمركز منجز مشرف، إذ يغطي مختلف أرجاء الوطن العربي، وحيا المركز الذي فتح آفاق البحث والتحقيق والكتابة الإبداعية للشباب وعرّف بأسماء لم تكن معروفة من قبل على الساحة العربية.
نوري الجراح يسلم تمثال ابن بطوطة للشاعر سيف المري
عبد النبي ذاكر رأى أن المركز العربي للأدب الجغرافي أبلى بلاء حسنا في تقديم مخزون معرفي عظيم للمكتيبة العربية يصل إلى 370 عنوانا شملت نصوصا محققة وإبداعات رحلة جديدة، وقال إن الأعمال أكاديمية جادة ولا تحتاج إلى تقويم أو جوائز، وأن الرحلات المعاصرة تكشف أن المخيال العربي بدأ ينتعش في الكتابة الرحلية، وأن فرضية موت الرحلة نتيجة تحول العالم لقرية صغيرة، فرضية ثبت كذبها وعدم صحتها.
زاد التخييل
وأشار مفيد نجم إلى أن الناظر إلى ما أنجزه المركز من الرحلات المعاصر والرحلات المحققة يتصور أن هناك كادر وهناك مؤسسة كبيرة تقوم على هذا المشروع في حين أن هذا المشروع يقوم عليه أفراد عددهم لا يتجاوز أصابع اليد، وهذا يعطينا صورة حقيقية عن طبيعة الجهد الذي يبذل لإيجاد هذا العمل وهذا المشروع الذي استطاع أن يستقطب خيرة من الباحثين والأكاديميين العرب.
وطالب نجم أن يتوسع المركز في الرحلة المعاصرة وألا يكتفي بما أنتجه الرحالة العرب حتى يتم تطوير هذا الجنس الأدبي بحيث نقدم صورة جديدة عن الرؤية الجديدة للإنسان العربي إلى العالم الذي يتغير ويتبدل وتتغير وتتبدل معه علاقتنا وصورته لدينا.
شارك الشاعر أدونيس في الاحتفاء بالفائزين من خلال تسليم الجوائز لهم إلى جانب الروائي المغربي أحمد المديني وبحضور محمد برادة
أعقب ذلك تقديم الجوائز للفائزين، قدمتها لجنة التحكيم يرافقها الشاعر أدونيس، ليتلوها الاحتفاء بالفنان والنحات السوري العربي عاصم الباشا الذي نحت تمثال ابن بطوطة واضطر كون النسخصصة الأصلية في أتيليهه الخاص بسوريا أن ينحت نسخا منه ليقدمها للجائزة.
رحلة في أدب الرحلة
الفائزون بجوائز ابن بطوطة أفرد له الاحتفال مساحة وافرة للحديث عن أعمالهم حيث قال تيسير خلف محقق "رحلات البيطريرك ديونيسيوس التلمحري أن النص الذي تركه التلمحري المعاصر لأربعة خلفاء من بني العباس هم هارون الرشيد ومحمد الأمين وعبد الله المأمون وأبي إسحاق محمد المعتصم، ينفرد بأنه الشهادة المعاصر الوحيدة المكتشفة على الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية المفصلية، والتي دونت وقائعها في كتب التاريخ العربية نقلا عن روايات شفهية بعد عقود طويلة. وقال المحقق نور الدين شوبد أن الرحلة الحجازية واحدة من أمهات الرحلات المغربية إلى الحج في القرن 18، وأن أهميتها لا تقتصر فقط على كون كاتبها عالما متصوفا ولكن أيضا لكونها تصور النشاط الثقافي الذي عرفته بلدان شمال أفريقيا والحجاز خلال القرن 12 الهجري. وحيت الباحثة الأكاديمية مليكة نجيب الجائزة مؤكدة أن هذه هي المرة الأولى التي تتطرق فيها دراساتها إلى أدب الرحلات، وأن الجائزة فتحت الباب أمامها تحفيزا وتشجيعا.
كما تحدث كل من شاكر نوري وعبد العزيز الراشدي وباسم فرات عن تجاربهما في هذا السياق من أدب الرحلة المعاصر ورصدهم للوقائع والمشاهد وطبيعة الحياة في تلك الأماكن من العالم العربي والغربي.
هذا، وتجدر الإشارة إلى دعوتين وجهتا إلى منظمي الجائزة وندوتها واحدة من المغرب وأخرى من الكويت لاستضافة احتفالها في العام القادم في المغرب والكويت، وهو ما جعل المشرفين على المركز وجائزته يبدون اعتزازهم بهذا الاحتفاء بالمركز ومشروعه الإحيائي، وبأدب الرحلة بوصفها المتن الذي يصل الجغرافيات العربية ببعضها وبالعالم.

الاثنين، 29 يوليو 2013

فلسطيني وعراقيان وثلاثة مغاربة ينالون جوائز ابن بطوطة للادب الجغرافي

<< الأثنين، 29 يوليو / يوليه/تموز، 2013

 

 القاهرة - رويترز
فاز فلسطيني وعراقيان وثلاثة مغاربة بجوائز ابن بطوطة للادب الجغرافي في دورتها التاسعة /2013-2014/ والتي يمنحها /المركز العربي للادب  الجغرافي-ارتياد الافاق/ ومقره أبوظبي ولندن سنويا في مجالات منها /تحقيق الرحلة/ و/الدراسات/ و/الرحلة المعاصرة/ و/اليوميات/.
ويمنح المركز جوائز ابن بطوطة سنويا منذ عام 2003. وفاز بالجوائز في الاعوام الماضية 61 باحثا ومبدعا عربيا وأجبنيا.
وقال المركز اليوم الاثنين في بيان ان الاعمال الفائزة اختيرت من بين 37 مخطوطة من 10 دول عربية والفائزون في الدورة الجديدة هم الفلسطيني تيسير خلف والعراقيان باسم فرات وشاكر نوري والمغاربة نور الدين شوبد وعبد العزيز الراشدي ومليكة نجيب.
ونال جائزة تحقيق المخطوطات الفلسطيني تيسير خلف عن جمع وتحقيق /رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري في عهد الخليفتين المأمون والمعتصم/ وهو نص فريد حسب البيان الذي قال ان البطريرك السرياني ديونيسيوس التلمحري عاصر أربعة خلفاء من بني العباس /هارون الرشيد ومحمد الامين وعبد الله المأمون ومحمد المعتصم/ وترك //الشهادة المعاصرة الوحيدة على الكثير من الوقائع والاحداث التاريخية المفصلية والتي دونت وقائعها في كتب التاريخ العربية نقلا عن روايات شفهية بعد عقود طويلة.//     وأضاف البيان أن التلمحري قام بثلاث رحلات الى بغداد ورحلتين الى مصر //وأسهب في رحلتيه الى مصر بذكر أوصاف الاماكن التي زارها وتحدث عن بعض العادات التي عاينها لدى المصريين... زودنا بمعلومات نادرة عن بعض الثائرين على الخلافة العباسية.//      وفي فرع تحقيق المخطوطات أيضا فاز المغربي نور الدين شوبد عن تحقيق /الرحلة الحجازية/ لابي عبد الله محمد بن اطيب الشرقي الفاسي والرحلة التي لم يسبق تحقيقها من أمهات الرحلات المغربية الى الحج في القرن الثامن عشر.
وفي فرع الدراسات فازت المغربية مليكة نجيب عن كتابها /المرأة تمثلا وتمثيلا في الرحلة السفارية المغربية خلال القرنين 18 و19/ وتتناول فيه مظاهر حضور المرأة في كتابات الرحالة الى أوروبا في تلك الفترة للتوصل الى أسباب تكريس دونية المرأة ومحاصرتها بين دهاليز التبعية والتهميش.
وفي فرع اليوميات فاز الروائي العراقي شاكر نوري عن كتابه /بطاقة اقامة في برج بابل.. يوميات باريس/ والذي سجل فيه أكثر من ثلاثين عاما قضاها في باريس //متسلحا بثقافة عالية وبحث دؤوب وحياة استبطنت تلك المدينة التي شغلت الرحالة والمقيمين القريبين والبعيدين// حسب البيان.
وفي فرع الرحلة المعاصرة فاز المغربي عبد العزيز الراشدي عن كتابه /سندباد الصحراء.. مشاهدات من جنيف وباريس والمنامة وعمان ودمشق والقاهرة وبيروت ومراكش ومدن أخرى/ وهو يوميات كتبها //بلغة شعرية موحية وجذابة... تتدفق الاسئلة المضمرة في دهشة الكلام عما يرى الكاتب وما يسمع// عبر رحلاته في مدن لا يجمع بينها الا الكاتب نفسه.
وفي الفرع نفسه فاز العراقي باسم فرات عن كتابه /مسافر مقيم.. عامان في أعماق الاكوادور/ وفيه يروي الكاتب رحلته من العراق الى الاردن ونيوزيلندا واليابان ولاوس وأخيرا الى الاكوادور حيث أقام ثم دون هذه اليوميات التي //تنفتح بقارئها على فضاءات غير معهودة فلم يحدث أن دون شاعر أو كاتب عربي معاصر يوميات عن مغامرته في تلك الاصقاع.//     وتكونت لجنة التحكيم من خمسة باحثين وأكاديميين هم المغربيان الطايع الحداوي وعبد النبي ذاكر والسوريون خلدون الشمعة ومفيد نجم ونوري الجراح.
وقال راعي المركز العربي للادب الجغرافي-ارتياد الافاق وجائزته الشاعر الاماراتي محمد أحمد السويدي في البيان ان مشروع /ارتياد الافاق/ رسخ أقدامه في أرض الثقافة العربية كمؤسسة عربية مستقلة وان الجائزة //تثبت أنها مشروع تنويري عربي يستهدف احياء الاهتمام بالادب الجغرافي من خلال تحقيق المخطوطات العربية والاسلامية التي تنتمي الى أدب الرحلة والادب الجغرافي بصورة عامة// اضافة الى تشجيع الادباء والكتاب العرب على تدوين يومياتهم في السفر بهدف بناء جسر ثقافي بين المشرق والمغرب وبين العرب والعالم.
وقال الشاعر السوري نوري الجراح المشرف على المركز وجائزته ان الاعمال الفائزة هذا العام تكشف عن //تعاظم في أهمية حقل أدب الرحلة العربي وتطور في مناهج البحث والتحقيق والابداع// سواء النصوص التي أنجزها أجدادنا الرحالة والجغرافيون والعلماء وما ينجزه الادباء المعاصرون.
والمركز العربي للادب الجغرافي مشروع ثقافي عربي مستقل غير ربحي وتأسس عام 2000 . ويحمل شعار /جسر بين المشرق والمغرب وبين العرب والعالم/ ويعنى باحياء أدب الرحلة والادب الجغرافي العربي والاسلامي.
وينظم المركز سنويا ندوة عن أدب الرحلة في بلد عربي أو أجنبي واستضافت الندوة في السنوات الماضية عواصم منها الخرطوم والجزائر والرباط والدوحة والمنامة.
وقال البيان ان الجوائز ستوزع في نوفمبر تشرين الثاني القادم في دبي في حفل خاص يقام بالتعاون مع مجلة دبي الثقافية في احتفالاتها السنوية ويرافق الاحتفال معرض لكتب الرحلة وندوة حول الاعمال الفائزة.

الأحد، 14 أكتوبر 2012


اتحاد كتاب المغرب يحتفي بمحمد الفيتوري في أسبوع "الثقافة والتنوع"


البداية
قرر فرع اتحاد كتاب المغرب بشراكة مع عمالة الصخيرات تمارة والمديرية الجهوية لوزارة الثقافة “الرباط-سلا-زمور-زعير” إقامة أسبوع ثقافي من 1 إلى 9 نوفمبرالمقبل. بفندق كلوب الياسمين في الهرهورة/ تمارة تحت شعار" الثقافة والتنوع" تكريما للشاعر محمد الفيتوري.
هذا وسيشهد اليوم الافتتاحي تنظيم ثلاث جلسات: تنطلق الأولى على الساعة العاشرة صباحا، ومن تقديم عزيز الحضيني تخصص للاحتفاء بتجربة الكتاب الإبداعي الأول لعدد من المبدعين: "بعمر السنابل" لسعاد عالمي تقديم محمد الداهي، و"ندف الروح" لإسماعيل البويحياوي تقديم نجيب العوفي، و" تاء المؤنث" لنادية جلولي تقديم حسن المودن، وقراءة كلمة المشمول برحمته الحسين عرنوس عن كتاب محمد الإدريسي " بسمة طفلة". و" مثقلا بالندى" لعبد الله صديق تقديم حسن الوزاني. تليها شهادات وتوقيع لديوان" بعمر السنابل" لسعاد عالمي.
أما الجلسة الثانية المخصصة لمحور"المرأة والكتابة" التي تؤطرها مليكة نجيب، تنطلق بمشاركة كل من: رشيدة بنمسعود، ستيفاني مشينو، توفيق بنعامر، محمد معتصم. في حين تنطلق الجلسة الأخيرة والتي يشرف على تسييرها محمد ضريف، وتهم تقديم كتاب “نشيد الصحراء الداميةّ" لماء العينين . بمشاركة: سعيد يقطين، محمد الداهي، أنور المرتجي، إدريس الخضراوي، عبد الغني أبو العزم، إدريس النقوري. أما اليوم الثاني فسيعرف تنظيم جلستين تخصص الأولى لتكريم الشاعر محمد الفيتوري، وتنطلق على الساعة الثالثة بإدارة أنور المرتجي، ومشاركة كل من: طلحة جبريل، بنعيسى بوحمالة، كمال عبد اللطيف، صلاح بوسريف، سعيد بنكراد، محمد البكري، نجيب العوفي. أما الثانية فتحصص لقراءات شعرية يسيرها أحد العاقد، ويشارك فيها كل من الشعراء : محمد بنطلحة، روضة الحاج، محمد عنيبة الحمري، محمد عزيز الحصيني،إكرام عبدي،أحمد العمراوي، محمد بشكار، رجاء الطالبي، عبد الحق ميفراني، إدريس الملياني،محمد العناز، عبد السلام دخان . تسيير أحمد العاقد.
وتختتم الفعاليات الثقافية مساء يوم الثلاثء بلقاء مفتوح مع الناقدين محمد الدغمومي ومحمد غرناط ، نسيير سعاد عالمي.

السبت، 1 يناير 2011

دراسات ادبية ونقدية

تــقـنـياتُ الـسّـردِ ومغـامـراتُ الـتّجريبِ في الـفعـلِ القصصيِّ لـدى مليكة نجيب .. مجموعـة "السّـماوي" نـمـوذجـاً - محمد بوشيخة

bouchikhaطباعة

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать
أولا: تـمهـيد؛ دروبُـهُ أسـئلةٌ منهـجيةٌ.
نتسـاءلُ بـدايـةً عـن نوع القصة التي تكتبـها مليكة نجيب، أهي الـحديثة أم الـجديدة ..؟، علـمـاً أن الـفرقَ بين الـتُّربتيْـن/ الفارقَ بين النّـوعين ليس كفيـلاً بـأن يجـعـلَ الـقارئ – حسْبَ رأيـنا – بقـادرٍ على تصنيفِ قصص الـمبدعة، علمـاً أيضـاً أن القصـةَ الجديدةَ لاتعني ذاك الارتباطَ الـوثيقَ بـما هو متـأخر زمـناً، "فـما كـلّ متـأخِّــرٍ يحوز صفـتَـهـا ومـاكــلّ متقـدم يضيعـها" (1).
التـفريقُ بين الـنّوعين ليس ترفـاً نـقديـاً؛ إنـما لـما تشـهده الـسّاحةُ النقديةُ أخيراً، في شكل مقالات متفرقة، من استـعمالهـما في وجوه متقـلِّـبة، وكثيراً متشابهة، وإذا كان الـنّوعـان مـعاً يظهـرُ اخـتلافُـهمـا مع "القصة العروضية"، فالأمر بينهمـا لايعدو كذلك؛ إذ سمـاتُهـما الفنيةُ تتـآخى إلاّ فيـما نـذر. فـقـصّــةُ الثمانينيات جعلتْ من مفهوم الـتـجريـب جـواداً تمتطيه؛ ومن ثَـمّ شـكّـلَ هــذا العِـقدُ الزمنيُّ "فضـاءً لانتشـاره بشكـل كبير"(2)، في حين نـوّع قـصّاصو التسعينيات (= القصة الجديدة) من آلاتِـهم وآلياتِ سفرهم الأسلوبية، حتى إنّـهم شـرّحوا النصّ وجـرّبوا في التجريبِ ذاتِـــه، وقد يأتي الحديث لربّما معهم عـن "مابعد التجريب"، ونحن في دولاب مـابعد الـحداثة.
فـالقولُ إنّ القصةَ القصيرةَ في العقدين الأخيرين (= التسعينيات حتى الآن) حـملت رؤيـةً جـديدةً (3) دعـوةٌ صـريحـةٌ أن هـناك تـجاوزاً لقـصّـة الـثـمانينيات، أمـا مـاقبلُ فلا مجال للـجدالِ فـيه؛ وإن كـان من النقاد – عبد الرحيم المودن – من يعـود بتسمية القصة الجديدة، مفهومـاً وبناءً وصياغةً إلى السبعينيات، ويبقى الـجديد في ثيابِ هـذا النوع مـن القَـصِّ فـي مـدى تـحطيـمِـهِ للـنموذج الـتيمـوري على مستوى البناء (4).


ارتبـط مفهومُ القصّـةِ الجديدةِ أيضـاً بـمـحدِّدِ التـحـوُّل؛ فـكـثُـرَ الحـديثُ عـن سـماتِ هـذا الأخـير، فهو الـمرتبـطُ بــ"القصة التي تتأبط المغامرةَ وتـرضـاهـا ديـناً بالمعنى الطقوسي .. وتركبُ موجـةَ التـجريبِ فـتـتّشحُ بسـمات أجناس تعبيرية مجاورة"(5)، وهـو الطوفـانُ الذي شـمِـلَ "الموضوعـاتِ، الصيـغَ، أدواتِ إنجـازِ الفعلِ القصصي"(6)، كما أنه الذي تسـاوقَ و "تـطــــوُّرَ الكتابةِ القصصيةِ النسائيةِ؛ حيث أصبحت ماتكتبه الكاتباتُ أكثر جـرأةً وأكـثرَ محافـظةً على الأدواتِ الفنيةِ"(7).
فـي الضفّـةِ الأخـرى هـنالك مَـنْ يـعتـبرُ الـتـحوُّلَ ذا جانِـبَـيْـنِ، يمكن أن يـطفُـوَ على السّطـحِ السلبيُّ منه على الإيـجابي، وبـه لايـعدو التحوُّلُ مرادفـاً للتـقـدُّمِ، كـما أنـه "ليس كـلّ مَـنْ يـكتب القصة حـاليـاً يكتب القصة التجريبية، ذلك أنه في نفس الفترة التاريخية قد تتعايش مـخـتلِـفُ أنـماطِ الكتابةِ القصصية"(8). ويذهبُ الناقدُ عبد العاطي الزياني في درسِـهِ وتـدارُسِـه لهـذا التحـوّلِ إلى حـدِّ التحـذير من مغـبّةِ التجريبِ دونـما أشرعـةٍ محكـمةٍ؛ "لأنّ قـدْراً وافـراً من المحاولاتِ القصصية ظلتْ تـمارسُ ركـضـاً مجّـانياً أحياناً وراء التقنياتِ والأدواتِ التجميليةِ دونما وفاءٍ حقيقيٍّ بشـروطِ الكتابةِ ومسـؤوليـاتهـا الفنية"(9)، مما قد يجعل من "حقـلِ القصة القصيرة أرضـاً لامـالك لـهـا"(10).
هـذه الأضـواءُ الحـمراءُ، كمـا هذا التوصيف المباشر لـحالة القصة القصيرة الجديدة وأحوال مريديـها، ألا يعـدو مدعاةً لـسـكِّ تقنيـنٍ ورغـبةً في حبـسِ أنـفاسَ تـتشـرّبُ مـن شعـار العوفي "لكـلِّ كاتبٍ الحق فـي أن يـخلقَ مايستطيع من الأشـكالِ التي لاتـوجـدُ في الأدبِ"(11).
ثــانيـاً: مغـامراتُ التّجريبِ من خلال تقنياتٍ سرديةٍ عـدّةٍ.
أولاً، وتحقيقـاً للرّبـطِ بين ماسبقَ، لأجـلِ تَــبَــيُّــنِـهِ في مكتوبِ مليكة نجيب، وبين علاقة ذلك كـلّـه بالكتابة النسائية، نـودُّ الإشـارةَ إلى أمـرٍ استـوقفنـا إثـرَ حديثِ العوفي في كتابه "مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية" عن العروضِ القصصي وتقسـيمِــهِ للنصوص التي تـمثّـلُهُ من حيثُ بُـناها السرديةُ إلى: نصوص ذات بنية مثلثة / مستديرة / حلزونية / خطيّة، فكان النّـوعُ الأخيرُ، الخطّي أو اللاّبنائي بمـثابةِ "بنيةٍ جنينيّةٍ وسديميّةٍ لم تـتخـلّق ولم تختـمر بـعدُ، هي مـشروعُ بنية"(12)، وكان أيضـاً أن مـثّـلَ الناقـدُ لهـذا النّـوعِ بنصوصٍ نسـائيـةٍ؛ "بداية الطريق" و "الشيخ والأرض" لخناتة بنونة ثم "أمطار" لرفيقة الطبيعة، وكأنّ لسان حاله يحدثنـا إضمـاراً عـن سبقِ المرأةِ الكاتبةِ لهـذه المغامرةِ من التجريبِ. نـعــم، النصوصُ نوعٌ ضمن العروض القصصي، لكنها تنحـو في اتجـاه تأسيس مشروعٍ لم تتّـضح معـالـمُـهُ بـعـدُ، فهـي "صنـيـعٌ يشـكِّـلُ استـفزازاً لـما هـو مألوفٌ ومعـروفٌ من قـواعـدَ وقـوانينَ سـرديةٍ وبنائيةٍ، ودعـوة غير واعية أو غير مباشرة لإعـادةِ صيـاغةِ وتـجديدِ الأسـئلةِ القصصية"(13).
ثـانيا: التقنياتُ السرديــــةُ.
تقنيةُ الـحـوارِ: 
قـد يطغى الـحوارُ مع النصوص القصصية العروضية وقد يكتسي صبـغـةَ الـحـضورِ الـمحـتشِـم، وفي الـحالتـيْـن مـعاً يُـشَـرعـنُ الـحديثُ عـن حوارٍ مـؤسِّـسٍ للـسّـردِ أو مـتمِّـمٍ لـه؛ بتعبير نجيب العوفي.
ولأنّ القـصّـةَ الجديدةَ مـجرِّبـةٌ في كـلِّ تجـليـاتِـها السرديّـة، كذلك الأمـرُ مـسّ تقنيةَ الحوار، فبات هذا الأخير مـتداخـلاً ومُـتماوِجـاً مـع الـسّـرد، وجاز الـقولُ إننـا مع: حوار سردي أو سرد حواري.
الـحوارُ عـند مليكة نجيب هو أشـبهُ بـالحوار المتأثـر بنظرية التحليل النفسي، أليست تركيبـتُهُ داخـل نـص "الثدي الملفوف" دليـلاً عـن ذلك ..؟، ثم ألا يجوز نـعـتُـهُ بــ: "الحوار المخـلوط بالارتجاع الفني" = تقنية الاسترجاع؛ "التي تلجأ إليها الشخصيةُ القصصيةُ حين تسترجـع، عبر التذكـر، أحـداثـاً فـتدخـلُ في نظـام جديد من الزمـن"(14). ورد في المجموعة: "أتـذكّـرُ الآن ثـورةَ زوجـي وأوامـرَه الـحانقـةَ بمحـو آثـار الـحنّـاء، أكّـد أنه يمقتُ لونهـا، رائحـتَـها، بصـماتٍ قد تتركـها على جسده أو على الفـراش ..."(15)، وفي مقطعٍ آخــر: "فرحتُ عـندمـا بدأ صدري يتحرّكُ وينمو وبدأتُ ألبِـسُ حـمّـالةَ نهـديْـنِ من مـسـد، انتشيتُ وأنا أرعى براعـم أنثى تتفـتّـح وتتوقُ لـمستـقبـلٍِ فيّـاضٍ بـالعـطاء والـحبِّ"(16)، والأمثلة عـن هـذا كـثيرةٌ.
يُـعـايِـنُ الـقارئُ ضمن نصِّ "الثـدي الملفوف" تمـازجـاً؛ إن لم نقـل انصهـاراً واضحـاً بين السرد والحوار؛ إذْ غـالبـاً مـايـفسَـحُ الـمحاوِرُ – الساردُ للـمحـاوَر الساردِ  فسـحةَ الـسّردِ، حتى يـظـنّ الـقارئُ أنّـه مع سـردٍ خـالِصٍ؛ لـيُـفـاجِـئـه تقـطيـعٌ يُـكـسِّـر اعـتقـادَهُ.
الـمـحاوَرُ – السّـاردُ في هـذا النص مـثلاً يمتطي جوادَ الحكي ضمنَ خمسِ فِـقْـراتٍ متتابعـةٍ، على طول مقاسِـها الـسّطري، "أتـذكـر أن زوجي عـاف الحـنّاءَ، وعاف مضجعي (........ إلى ......) حملتُ رضيعي بين رموشي وحلقتُ بـه فوق أشجـار مضيئة الأغصان تناسيتُ معها السرداب الحالك (= صفْـحات: 62 – 63 – 64، من قصة الثدي الملفوف)، ليُـصْفَـعَ بـعدهـا القـارئ، تقطيـعاً لخـطيّـة السّـردِ الـحوارِ بـــ "كيف تنغّصت حـياتُــكِ بعـد هـذه السـعادة؟ هل لبعض الأطراف يـد في بلبلة سكينتك؟"(17).
يَـظهـرُ إذن أن الـسّـردَ يـقوم بـــ "دور تبـادل الـمنفـعةِ مـع الحوار فـي تفـاعُـلٍ وانسـجامٍ لكـسْـرِ الـتّـعاقبِ الـمتسلسِلِ المُـثيـرِ للإيقـاعِ الرتيب الناشئ عن تناوبِ شخـصيتيْن على الـحدث"(18)، عـدا في مقطـعٍ واحـدٍ داخـل نصٍّ بـأكـملِهِ؛ ذاك المـعتـمِـد على الـعلامة المِتيبوغرافية المتتالية(19).
استـخدامُ الضّمـيرِ في صِــيَـغِهِ الثلاثـةِ، المتكلم/ الغائب/ المخاطب، داخلَ شبكـةِ النصِّ الـواحـدِ، في نـــوعٍ مـن التّـراتُبيةِ الـمحـسُوبةِ أحـياناً، يُـكسِبُ النصَّ طـابَــعَ الاختلافِ عن النصوص التي يهيمنُ فيها ضمـيرٌ عـن آخـر(20) .. يتجلّى هذا الاستخـدامُ المتنوعُ بوضوح في نـصّـيْ: "جثة بالمزاد" و "الثدي الملفوف"(21).
كـلّ هـذه الاعـتباراتِ السابقـة، إذن، تـجعـلُ من الحوار عند مليكة نجيب "يلتبسُ ببنيةِ السردِ فيندمج بـها، مؤديِّـاً إلى صياغةٍ سرديةٍ مـوحّـدةٍ، ويكون الكلامُ غير المباشر من الحوار أكـثـر اندمـاجاً بالسّردِ"(22).
تقـنيـةُ تـوظيفِ التـراث/ الثقافة الشعبية:
اسـتعـمالُ الدّارجي في اللّعبةِ القصصيةِ ليس جديداً، إنّمـا توظيفُه بـحَـمولتِهِ الطقوسيةِ؛ لأجـلِ إكسابِ النص بُـعْـداً عـميقـاً في امتدادِهِ الزمني والديني هـو الطّـفــرةُ التي تُـكسِـبُـهُ جِـدّةً:
"آرجالْ البْلادْ، آمولاي بوشعيبْ، آللا عائشة البحرية، أحموني راني في داركم"، ص: 11، قصة السماوي.
"الـطـيّـارة طِــيـرِي بِـــيّـــا   **   عند سيد النبي العْزيز عليّ"، ص: 12، قصة السماوي.
المقطعان معـاً، يعودان بالقارئ إلى تلك التعويذاتِ الخرافيةِ للجـدّاتِ، كما عـاد بالساردةِ – البطلةِ داخلَ فضاء نص السماوي بفعـل "تيمة التذكـر" إلى دهـاليزِ جـدّتـها.
ليس فقط بـدافعِ الاستعـمال الدّارجي يُـدركُ الـقارئُ ذاك الامتداد وتلك العلاقة التي تجمع بين الساردة وجدّتِـها؛ إنّـما يتبدّى ذلك من خـلال:
نشاطات يدويـــة: غزلُ الصّـوف مثلا "تتنقّـلُ الكوماتُ الناصعةُ البياض من خـارجِ الـطائرةِ إلى رأسـها لتحملها إلى كومات صوف ترعرعت بين أحضانها ..."(23).
استـحضارُ مقاماتِ الأولياءِ وماله علاقـةٌ بتلك الكرامات، في صياغةٍ لاتخـلو من سخـرية: "تـدافـع الـجدّةُ عـن ذلك ولا تتردّدُ في انتـزاعِ نعـلهـا وتلمَـسُ قـدمـيْـها بلطفٍ متسـائـلةً: أليست هـاته أقـدام صبيةٍ؟ اقتربي، المسي بيديْـكِ، برفقٍ، حتى لاتخدشي ليونتَـها بـأظافرك"(24).
وليَـتَـوَضّـحَ لـنا أكـثرَ بُـعْـدُ "تيمة التـذكر"؛ الذي يحتفي بــه نـصُّ "السّماوي"، نـقرأ "يتنـقّـلُ خـاطـرُ الـحفيـدةِ من أحضانِ الـجدة الضارب في الزمان، ويعود على أعقابه مرتبكـاً لذكر الموت ليلتحقَ بصاحبته التي عدلت من جلستِـها، وسحبت من عينها قطعــةَ الثـوبِ"(25).
وفـي شكـلِ احـتفاءٍ غـنائي باللغة الدارجة، داخل النص القصصي تخـتمُ الـقـاصّـةُ نصَّ السماوي بمقـطعٍ قـد يشكـلُ بـؤرةً للنص كـلِّـهِ .. تقنيةٌ يشتغـلُ عليـها كتابٌ آخرون جـدُد وهم يمتطون جواد التجريب، القاص عبد العزيز الراشدي مثلاً في نص: "دموع القـمر"، يختلفـان فقط في الابتداء بالمقطـعِ أو الانتـهاءِ إليه أو جعـله جـناحَـيْ النص؛ في البداية والنهاية معـاً.
ج- الاشتغـالُ على الـبُـعْـدِ اللُّـغوي سيـمـائيـاً:
لـمّا نـقرأ للـكاتبة: "عـندمـا دلفـتْ من باب الطائرةِ مُنحنـيةً كي لاتصطدم قـمةُ رأسِـها بالسقف، شعُـرت بالطائرة سمكةَ قرشٍ"(26)، أو قـولُـها، ضمن نفس القصة "وضعت فـوق عينيْـها قطـعةَ قـماشٍ تسـاعـدُها على الارتـخاء، ورأت بعد ذلك السّوادَ يتخـلّـل الـمجالَ الضيِّـقَ لأحشـاءِ الـقِرشِ" .. قلتُ لـما نقرأ هذا نستحـضرُ عـلاقةً سيميائيـةً تربطُ بين: الطائرة + القرش + السّماوي (= العنوان).
الطّـــائـرة: (للتدليل على الطيران في فضاءٍ أعلى، قرب السّما؛ تعبيراً لا واقعـاً) = السمـــاوي: (فيزيائـياً، مكـوِّنٌ لـه عـلاقـةٌ بالسماء) = القِـرش: (يتخـذ اللونَ الأزرقَ في هذه العلاقة السيميائية الثلاثية).
تجـمعُ بين الـمكــوِّنيْـن: الطائرة والقِـرش في العلاقـةِ بـالعنوان ركـيـزتـا: الشكـل و العبور، كـما اسـتدعـاء، في شكـل تناصٍّ موضوعـاتي، لقضيّـةٍ اجتماعيةٍ "الحْريـكْ"، "شـعرتْ بالطائرةِ سمكةَ قـرشٍ تبتـلعُ كائنـاتٍ تـقـدّمُ نفـسَـها قـربـاناً بكل إرادةٍ ورغـبةٍ"(27).
د- تقـنيةُ الـميـتاقـص:
تـظـهرُ هـذه اللغـة الـمعـجونة بالأفـكارِ أو التنـظير فـي قـوالبَ مختلفةٍ عند الكاتبة مليكة نجيب، فهي تارةً اشـتغـالٌ على موضوعـةٍ معيّنةٍ، داخـلَ فضاءِ النصّ القصصي، تيمة الأسمـاء مثلاً في قصة "يوم السّـعد"، نمثل لهذا التمظهـرِ من خلال الجدولة والامتداد التاليين:
الـمقاطع من النص
الصفحة
بُـعـدُها الـدّلالي
اسم يمتد شامخاً متحدياً / للأسماء بطش وجاه
19 / 21
المكانة والنفوذ
وربما للأسماء تأثير غامض على شخصياتنا واختياراتنا في الـحياة.
19
التحقير والتصغير
ألقابُـنا جـزء مـنا، تتحكـم في هـويتنـا وقد نصير كائنات غير موجودة بدونـها.
20
تأثير اللقب على الإسم
- أسماء الأنترنت؛ في نوعٍ من السخرية من استعمالهـا، واكتشافِ لـعبـتِهـا، المرتبطـةِ أحيانـاً بـاللاواقـع "تنّينٌ يضـاجِـعُ سـلحفـاةً"(28) والحلمِ أحيانا أخرى: "هي تقـدّسُ لـغةَ الـضّـاد، وتحلم بأن تتوحّـدَ المفردات والمعاني لمواجهة التأويلات التي تُـتعِـبُـها" (29).
- أسماء الأبراج؛ فـي قـولبةِ الـقَلبِ؛ إذِ العـقربُ تنكمشُ والعـذراءُ تتعـهّـرُ والأسـدُ يـركـعُ، لتركـعَ معه الشـخصيـةُ القصصيةُ هي الأخرى؛ إذ هـو بُـرجـها.
يتـوضّـحُ اشتـغـالُ الكاتبة على "تيمة الإسم" أكـثــرَ في قالبٍ قصصي، من منطـلَـقِ اللغة الميتاقصية لـمّا تـذهبُ إلى حـدِّ الـقولِ على لسانِ الشخصيةِ القصصيةِ "ضيـاعُ المنعـوت بين تـعدّد واختلافِ النعـوتِ. وضياع الزمن في فـكِّ طـلاسمِ الـمفـهومِ"(30)، بعـده تترجّـل أسـلوبـاً، لتتوقّفَ عـند أسـماء بعينـها، مُـحـاوِلةً تشـريحَ جـسـدهـا، وفـكّ طلاسمِـها (العاطفة/ السياسة/ البيت)، في علاقتـها بـعنوان القصة يوم السعـد؛ المرتبط أسـاسـاً بمنطِـقِ: "للأسماء بطشٌ وجـاهٌ".
من جانبٍ آخـرَ، وبعـيداً عن الاشتغـال على تيمـةٍ مـا، داخـلَ نصٍّ قصصي، تتمظـهر تقنيةُ الـميتـاقص في محاولةٍ من الكاتبةِ خـلقَ جِـسْـرِ تواصُـلٍ مباشرٍ بينها وبين المتلقي، لتُـقـدِّمَ لـه أفـكارَ من خزانةِ مقـروئِـها الثقـافي، أكـيـدٌ، في عـلاقـةٍ متماهيـةٍ مـع فـكرةِ النص القصصي، مثـلاً لاحصـــراً:
"يذهبُ الطبُّ النفسيُّ إلى أن الأطفالَ أبـداً لاينسون المعاملةَ والتربيةَ التي يتلقونـها"،ص: 57، من قصة "الثدي الملفوف".
"يذهبُ بعـضُ عـلمـاءِ النفسِ إلى أن الأنثى نقيصـةٌ وأن الذكـر كـمالٌ"، ص: 58، من نفس القصة.
هـذه إذن أفـكارُ نقـديةٌ في سِـردابِ الحكي القصصي نفسِـهِ دون خروجٍ عن موضوعِ القصة التي تحوي تلك المقاطع فـي محاولة من الكاتبة - أيـضا - إضـفاءَ مـصداقـيةٍ ما على الفكرةِ – القـصّةِ، وسـعيـاً لأجــل "بناءِ نـوعٍ من التلقّـي الـشـفّـاف؛ بحيث تتضـمّنُ الـقصّـةُ حـواراً موازيـاً بين الكاتب والقـارئ"(31).
ثـالـثاً: خـاتـمة؛ عنـوانُـها "عـلى صهـوةِ جـوادِ التّـجريبِ تنـشُـدُ مليكة نجيب قـصّةَ "مابـعد التجريب".
هـو الـنـصُّ وحـدَهُ يـخـــوِّلُ لـصاحـبِـهِ تـأشيرةَ الـعُـبـورِ إلى ضفّـةٍ أخـرى مـن نـوعِ الـحكي .. هـي المغامراتُ ،أو دونَـها، فقـط كفيـلـةٌ بـأن تـجـعلَ مـن هـذا الـكاتبِ قـاصّـاً تـجريبـيـاً وذاك قـاصّـاً يظـلُّ عـروضـياً، وآخـــر، في غيابِ كــلِّ ذلـك، لا بـهذا ولا بــذاك.
لـم تكـن الكاتبةُ مليـكة نجيب لتـحفُـرَ أخـاديـدَ عُـضـوٍ دون آخــرَ مـن جـسـدِ الـقـصّـةِ؛ بـل سعـتْ إلـى خـلقِ "شـكلٍ آخـرَ للتـنوُّع فــي (مجـملِ) الـحكي الذي يلتقـطُ حـرارةَ مخـتـلِـفِ أصـواتِ الـمتـخـيّـلِ، والـتمـثـيلات الـدقيقة للأنـا ومـسـاحـاتِـهـا الــلامـحدودة"(32)، ذلك مـانبغـي الإشـارةَ إليـه بـاقتـضابٍ فـي النِّـقط الـتالية، كإضـافاتٍ نوعيـةٍ للـتِّـقـنياتِ الـسّـابـقـةِ:
أ- احـتفـاءً بــالمـكـانِ وتـذويبَ اعـتبارِهِ ركـيـزةً فـي بـناءِ القـصّـةِ، نجـدُ الـكاتبـةَ تتـعـمّـدُ تَـبْـئِـرتَـهُ عـنـوانـاً لــنصِّ "غـرفـةِ الـنّـومِ"؛ الفـضـاءُ الـضـيّـقُ مَسَـاحـةً الذي يـشهـدُ مَـسْـرَحَـــةَ فعــلِ الـرّغـبةِ فـي الانــتـحـار و "وضــعِ نهـايـةٍ لـمسيـرةٍ طـويـلةٍ مـن الـعـذابـاتِ النـفسـيةِ والأزْمـاتِ الـتي تـقـضُّ راحـةَ (الشخصيةِ البطلةِ فيه)"(33). كـل أحـداثِ هـذا القـصّـةِ ظلّـت تُـراوحُ هـذا الـفضـاء؛ بـل إنّ عـناصـرَهُ بالأسـاسِ هـي التي تؤثــتُ لـعبـةَ الـسّـردِ فـي الـنصِّ، وصـفـاً وحكـياً، تخييلاً وواقـعاً.
ب- احـتفاءً بــالهامش وتسـليطَ الضـوءِ عـلى عـالمِ الـمهـمّشين، نجـد أنّ قـصّـةَ "المنزل رقم 16"، هي منزلُ حكيٍ عـن حياة الخادماتِ، ووضـعِـهـنّ، ومـغامراتِـهـنّ، كـما أنه، ومن خلال ذلك، تعـريـةٌ في صيـغة القلبِ لحـياةِ سيداتِ البيوتِ وأسـيادِهـا، وما يتخبطون فيه من مـآزقَ حياتيةٍ، تعـادلُ أو تفـوق بـؤسَ الخـادمات أحـيـانـاً؛ إذْ "ليس كـل هـادئ مـرتـاح، فغـالبـاً – تضيفُ الساردةُ ضمن مقطعٍ سردي – مـانـخـطـئ عند إصـدار أحكـامـنا على الأشـخاص والأشيـاء من خلال مـانراهُ؛ إذ يكون الـهدوء غـشـاوةً يـخفي هـيجـانـاً وهَـمّـاً دفـيـنـاً"(34).
ج- يـشـكِّـلُ الاسـتبـاقُ ضـمن نص "غرفةِ النّـوم" حـبلَ الـحكي، مشـاهـدُ استبـاقيةٌ على طـول خـطَّ السـرد؛ إجـابةً عـن سـؤال: كيف سيتلقّـى الآخـرُ خـبرَ انتحـارِ الشخصيةِ البطلةِ في النص.
أخـيراً، ينـكشِـفُ أنّ الـكاتـبةَ مليـكة نجيب خَـطَتْ خُــطْـواتٍ شـاسـعـةَ الـمـدى في مـغامراتِ الـتجريبِ، وتـجـربــتُـها بذلك تـنـضافُ إلى تـجاربَ أخـرى مسّـت بكـتاباتِـها وآلـياتِ اشـتغـالـها أركـان مخـتلفـة مـن جـسـدِ الـقـصة المغـربية.
................................. =  الـهـامش  = ..............................
(1): الحبيب الدايم ربي، في حوار معه عن القصة القصيرة الجديدة؛ كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص:60.
(2): نجاة الزبـاير، همس اليراع، كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص: 13.
(3): نفسُـه، ص: 14.
(4): عبد الرحيم مؤدن، كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص: 56.
(5): عبد العاطي الزياني، كتاب: "السرد والتأويل: دراسات في الرواية والقصة" الطبعة الأولى: نونبر: 2009م، ص: 47.
(6): محمد معتصم، كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص: 48.
(7): نجاة الزبـاير، همس اليراع، كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص: 15.
(8): ليلى الشافعي، في حوار معها عن القصة القصيرة الجديدة؛ كتاب أفروديت، عدد مارس 2006م، الطبعة 1، ص:54.
(9): عبد العاطي الزياني، كـتـابُــهُ السابـق، ص: 48.
(10): الحبيب الدايم ربي، كتاب أفروديت، مرجع سابق، ص:60.
(11): نجيب العوفي، كتاب أفروديت، مرجع سابق، ص: 47.
(12): نجيب العوفي "مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية؛ من التأسيس إلى التجنيس"، الطبعة الأولى: 1987، ص: 499.
(13): نفـسُـهُ، صص: 498 – 499.
(14): علي عـوّاد: "الحوار القصصي من الوظيفة التواصلية إلى الوظيفة الشعرية"،.
(15): قصة "الثدي الملفوف"، مجموعة "السماوي"، صص: 59 – 60.
(16): نفسُـهُ، ص: 56.
(17): نفـسُـهُ، ص: 64.
(18): علي عـواد، مرجـع سـابق.
(19): المقطع الوارد الصفحة: 60، به علامات متيبوغرافية متتابعة.
(20): نص "غرفة النوم" مثلاً هيمن فيه ضميرُ الغائبِ في لغةِ النص السردية، وبقي التجريبُ في تقنية استعمالِ الضمائر عن هذا النص بعيـد.
(21): اُنظر خصِّيصــاً توالي الضمائر في المقطع الوارد ص: 29 (كان يعشق .... = الغائب/ سأعود ظافراً ..... = المتكلم/ لاتخلفي الموعـدَ = المخاطب).
(22): علي عـواد، مرجـع سـابق.
(23): قصة "السماوي"، ص: 11.
(24): نفسـُهُ، ص: 15.
(25): نفسـُهُ، ص: 15.
(26) و (27): نفسه، ص: 9.
(28): قصة "يوم السعد"، ص: 20.
(29): نفسُـهُ، ص: 22.
(30): نفسُـهُ، ص: 23.
(31): عبد المجيد جحفة، في حوار له مع أحمد بوزفور، الزرافة المشتعلة؛ قراءات في القصة المغربية الحديثة، الطبعة الأولى: 2000م، ص: 159.
(32): النـاشر لمجموعة "السماوي" = "منشورات القلم"، ورد بالصفحة الرابعة.
(33): قـصة "غرفة النوم"، ص: 37.
(34): قصة: "المنزل رقم 16"، ص: 76.
.................................................
مجموعة السماوي، منشورات القلم المغربي، الطبعة الأولى: 2006م، مطبعة دار القرويين، تتكون من ثلاثة وتسعين صفحة، وتضم تـسع قصص: (السماوي / يوم السعد / جثة بالمزاد / غرفة النوم / طلطيوش / الثدي الملفوف / المنزل رقم 16 / وتلك الأيام / الاستفسار).

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

القاصة مليكة نجيب: 

أرفض التسلح بالإثارة لاستمالة القارئ


*** من الصعب جدا أن نتحدث عن القصة القصيرة المغربية، دون أن تستوقفنا القاصة مليكة نجيب بأسلوبها المغاير والآسر في أقصوصاتها، وبمواضيعها المثيرة والعميقة والدالة.. لقد استطاعت -بعيدا عن طبول الدعاية والحرب- أن تغطي بأناملها الأدبية، مساحة واسعة من «بلاد» القصة القصيرة، وأن تقتحم أدغالها ومغاراتها ومجاهيلها، بجسارة لغوية وسردية وشعرية ووجودية ملفتة للغاية، وبروح إنسانية تستحضر عبرها صورا متناغمة من القلق النفسي الإنساني، والبحث النسوي الهوياتي، والبوح المسنود بحركية الإبداع الحر والثوري.. مليكة نجيب امرأة من زمن يحسن صناعة الأسئلة.. وأسئلة مليكة ملتبسة ومضيئة، لكنها تمس بحنو شديد، واقعنا المجتمعي في أبعاده المختلفة.. أسئلتها نجدها بوضوح كبير في نص أجوبتها المؤسسة لهذا الحوار.
* نقلت بقصصك الكثيرة والثرية جمعا من القراء إلى عوالم يمتزج فيها الواقع بالخيال.. فاستمتعوا وارتووا إلى حد الانتشاء، غير أنهم لحد الآن، يتطلعون - ولا شك - إلى قراءة قصتك أنت كإنسانة تمشي في الأسواق، وتأكل الطعام، وتصنع وليمة أعشاب الحلزون.. أو كما نقول نحن في الشمال زلافة اديال غلاله (بضم الغين) وليس اغلالة.. من هي مليكة نجيب؟
** مليكة نجيب امرأة انحدرت ذات طلب للانتجاع مع الأسرة من مدينة أرفود بإقليم تافيلالت، الواحة المترامية في حضن السذاجة والقناعة والتهميش إلى مركز-مدينة، توحي بضمان عيش كريم، وتطمئن بتوفير مادة حيوية: الماء.
ربة بيت، تحضن أبناء بحب الأمومة الفياض، تلقائية في العيش، وفي العلاقات الاجتماعية وصلة الأرحام مع الأهل والأحباب والمعارف، تتطوع بدون تعب في الأنشطة الاجتماعية الهادفة، وتتوق بكل السبل للتوفيق بين عمل الإدارة والبحث العلمي والإبداع ومتطلبات البيت المتزايدة التي غالبا ما يربك تلبيتها أولوية الاهتمام بالأبناء: صوفيا وزكرياء وسحر.
وتبقى عملية إعداد وصفات خاصة كطبخة الحلزون أو المدفونة أو الرفيسة، وقفة موسمية لاستعادة خبرة متوارثة يخشى ضياعها.
* كيف تشكل وعيك القصصي؟ ومن دفعك قسرا أو محبة إلى اقتحام عالم السرد، ومعاقرة الشخوص والأحداث والفكرة والعقدة والمتاهة الفنطازية؟
** هو ما زال قيد التشكل، فتجربتي في الكتابة مشروع رزين يتجنب الامتداد في الخواء، لبناته تسعى للانصهار والالتحام بالصدق والصقل والتعلم من التجارب الأخرى.
وكما سبق لي أن قلت، أنا أنكتب أكثر مما أكتب، أنا مادة زئبقية في النص، قد أكون الساردة أو أحد الشخوص وقد أغيب. خلقت نواة في رحم الكتابة، أبحث باستمرار وبتحد الباحث عن هويته، عن جنسي في حضنها: تلبسني الفكرة وأتدثر بعباءة الخيال وأمتطي أحصنة السرد الصعبة الانقياد وأرحل في مجاهل الحكي، يحدث أن يكبو فرسي وينضب مدادي وتستهويني الآفاق غير المنتظرة في محراب جذبتي الابداعية، وأحلم، أنا أحلم دوما أن أبرع في نسج حكايات تستهوي كل القراء المفترضين.
* إلى أي حد وظفت مليكة نجيب «أجزاء» من حياتها المعيشة في نصوصها السردية؟ وفي أية مجموعة قصصية كثفت من حضورها الاجتماعي والثقافي والسياسي.. في «الحلم الأخضر».. في «لنبدأ الحكاية».. في «السماوي.. في «انفجرت ضاحكة»؟
** أتساءل هل فعلا لحيواتنا أجزاء؟ وإن كانت كيف تتم عملية التجزيء؟
لنقل أنها عبارة عن أحوال وصروف ومحطات وأحداث، تلك الأجزاء. لا أدري..... أرى أنني أنسج حكايات، الساردة في لم تغرف بعد من مخزون حياة متنوعة ومتعددة المحطات، الطفولة خاصة.
لا أستطيع تحديد المجموعة القصصية الأكثر تكثيفا للحضور الاجتماعي والثقافي والسياسي، لماذا؟
لأنني لا أضع البتة تصورا مسبقا لما سوف أكتبه، يخلص مخاض ولادة النص عن شخوص وأحداث، وحتى الفكرة التي أنطلق منها بعض المرات تخون انتظاري وتنبث مغايرة لتوجيهاتي، أقبل الأمر طواعية فأنا بدوري أنكتب.
* في عدد من نصوصك القصصية، تباغث مواضيع الجنس بمفهومه الأدبي الطقوسي، وبحمولته التقنية - إن صح هذا التعبير - قراء عديدين متشبعين بثقافة المحافظة والتقليد.. ألا تخشين انصراف مثل هؤلاء عن نصوصك الحاضرة واللاحقة؟ أم أن استحضارك لهذه المواضيع محاولة لدفع القارئ إلى بناء المجتمع وفق قيم ومسلكيات جديدة جريئة ومنفتحة؟ أم هي محاولة للظهور بمظهر «خالف تعرف»؟
** أرفض في عملية الكتابة أن أتسلح بأداة الإثارة لاستمالة اهتمام القارئ، كيفما كان نوع هذه الإثارة، أعتبرها أداة للنصب والاحتيال تجانب الصدق والشفافية،
أرفض التصنع، أو الظهور بمظهر «خالف تعرف» إلا أنني بالمناسبة لا أحبذ أن تكون كتاباتي نسخا ونقلا وتقليدا لأساليب الآخرين، فلكل كاتبة وكاتب أسلوبه الخاص، وصوته المتميز وطريقته التي تحفظ خصوصياته.
لا أفرض نهجا يتبنى الإثارة في الكتابة و لا أتعمد كما قلت الخوض في الجنس بمفهومه الأدبي الطقوسي، لا أتعمد التميز بالإثارة خاصة الجنسية منها.
ومع ذلك أتساءل مستغربة أن تعتبر إشارة جنسية شرارة اشتعال ردود فعل متأججة، فالجنس حاضر في حياتنا بكل تجلياته، أحترم ثقافة المحافظة غير أن استمرار التعامل مع هذا الموضوع الطابو وكأنه فزاعة تحدق بسلوكنا وقيمنا ونعتبره من ناحية أخرى مشجب لتعليق الرفض للنص وتهميشه، وهي مسألة مطروحة للنقاش في إطار الأسئلة التي عرفت تناولا واسعا مثل مدى الاستجابة لطلب المتلقي المفترض وعدم خدش شعوره وعدم تجاوز الخطوط الحمراء، ثم لمن نكتب؟ وماذا علينا كتابته؟ أسئلة كثيرة تتناسل، وأعتقد أن الإحاطة بأجوبة مقنعة وشافية لها ليست بالأمر الهين، انطلاقا من أن عملية الكتابة خلق وبناء وامتداد بحرية وتنطع لكل الحواجز الوهمية. هي نفخ الروح في العدم ونسج بصوف الصدق، ووله بجمالية اللغة والوفاء لها.
* كل من قرأ واطلع على أقصوصتك «الأسير» إلا وتساءل باندهاش كبير عن شكلها البنائيوروحها الشعرية.. هل تطمحين إلى إحداث ثورة في البناء القصصي؟ وخلق نموذج يسمى «قصيدة» القصة القصيرة على غرار قصيدة النثر؟
** يبقى طموحي في كتابة القصة القصيرة، هي القبض على تمنع ذلك النص الهارب، كما سبقت لي الإشارة إلى ذلك تبقى نصوصي كواكب آفلة، أطمح للفوز بأسلوب متميز وحبكة آسرة، ربما لم أحقق التراكم الكفيل بإحداث ثورة على البناء وخلق نموذج يسمى قصيدة القصة القصيرة، أجتهد في الكتابة، أطمح إلى المساهمة إلى جانب باقي الأصوات المبدعة في البحث عن التجديد والغنى والثراء، مرة انطلاقا من وعي، ومرات بالصدفة، مثلا يوم استعملت فأرة الحاسوب بطلة في نص قصصي، وتمكنت تلك الفأرة من نسج محيط حكائي ينسجم مع توجهاتها، وعلى حد علمي المتواضع كنت من السباقين لتوظيف ذلك في الكتابة.
* يلاحظ بأسف كبير أن الأقلام النسوية المغربية تتورع عن ولوج عالم الرواية، بينما تتقدم بجسارة وقوة وعنفوان إلى القصة القصيرة، وإلى الشعر.. ما السبب في ذلك؟
** ربما تريد قول الأقلام النسائية وليس النسوية، عندي اعتراض على التسمية، إذ تبقى الكتابة إنسانية إبداعية سواء أكانت بأقلام النساء أو بأقلام الرجال.
ربما أن طبيعة الرواية التي تتطلب نفسا واسعا ومجالات متعددة وتفرغا نسبيا أكثر شساعة من باقي الأجناس هو مبرر الحضور المكثف لأقلام النساء المبدعات في الشعر والقصة القصيرة، لا تتأسف، فالوعي بقيمة الكتابة لإثبات ذوات النساء جلية والآتي يبشر بانخراط غير مشروط للمرأة المبدعة في كل الأجناس الأدبية.
* لمن تقرئين – بشغف وإعجاب - من الأسماء النسائية المغربية؟ ومن الأسماء الذكورية؟
** أقرأ لجل الكاتبات والكتاب المغاربة باعتبارهم أصواتا متميزة مختلفة مبدعة، وقراءة ما ينشر هو تواصل إبداعي، ضروري للاستمرارية في الكتابة، وكذلك وسيلة للتكامل والتعلم.
* ولمن تقرئين من الأديبات والأدباء العرب والأجانب؟
** أقرأ لبعض الأدباء العرب والأجانب، ولكن بشكل جد محصور بسبب عدم التفرغ، والبحث العلمي الذي يفرض علي التعامل مع مراجع وكتب خاصة، يتعذر الجمع بينها وبين الإبداع.
* ما هو جديدك القادم؟
** القادم من نصوصي مجموعة قصصية جديدة، تتوق لقارئ يترقب صدورها ليحضنها بقلب العاشق المتسامح.