| |||||
الأحد، 15 مارس 2009
الثلاثاء، 11 نوفمبر 2008
في الوقت الذي استكانت فيه قصة لطيفة باقا إلى تقنية التداعي الماتع والبصري، وخلدت قصة ربيعة ريحان إلى نوم مريح في ضيافة الشعر، ولن ننسى جنوح قصة حنان درقاوي إلى ضفاف الرواية ثلاث قصص يخفين غاية السرد المكتوب بأقلام نسائية في المغرب مازالت مليكة نجيب تحدث دوارا هائلا في ذهن قرائها، تكتب مليكة نجيب قصصا مرهقة باعثة التأمل، لاتحتمل القراءة الكسولة، إذ تبرز مليكة عناية فائقة بلغتها القصصية مستدعية ذلك القارئ اليقظ الباحث عن متعة فريدة،والذي لايرضى إلا بما هو أصيل وفرداني في مقروئه.
شبت قصة مليكة نجيب عن الطوق منذ مجموعتها الأولى (الحلم الأخضر)1997، إذ دخلت غمار القصة القصيرة مدججة بوعي أدبي خالص يكاد يخلو من أي إحساس نسوي، في مجموعتها القصصية الثانية(لنبدأ الحكاية)2000، بالغت مليكة في إخفاء صوتها النسوي، بتوريط شخوصها في أفضية بالغة العنف والذكورة (السوق، الشارع، السجن، الدرب)، واختلاق محكيات جامدة لاتئن أبدا. خاضت مليكة نجيب في مجموعتها ( السماوي)2006 تجربة التفكيك والتشظي، حيث يصعب تلخيص حكايا هذه المجموعة، إذ يهرول بنا السارد في قصص المجموعة عبر متاهات ومسارات لاتكف عن التحول والتوالد.
في مجموعتها الجديدة ( وانفجرت ضاحكة) الصادرة عن منشورات القلم المغربي في طبعة الجيب، تذهب مليكة نجيب بعيدا في بحثها عن المختلف واحتفائها بالتجريب، فكل قصة/نص في المجموعة لايشبه الأخرى (مروض الحلزون، الأسير الفتنة أشد، وانفجرت ضاحكة، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم)، بل تستمتع في هذه المجموعة مليكة نجيب بتلك الفوضى الحميمة للكتابة.
في قصة ( مروض الحلزون) تقحم مليكة القارئ في حالة تركيز شديد في مونولوغ مكثف يبدأ خطيا وما يلبث أن يتشعب وينتج أنساغا حية متجددة مفعمة بسمات المحلية، تستهل مليكة نجيب «مروض الحلزون» بلفت القارئ إلى ضرورة الإنصات العميق لقصتها، وإذ يستحيل الإمتاع دون معرفة أن الهاجس الذي يسود قصة مليكة هو العناية بالفكرة، وهكذا تقول في مطلع ( مروض الحلزون):
«.. نمضي ردحا من الزمان في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح. ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كسف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة التأويل، وتجانب مصب الترتيل.
تولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش العقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة».
بعد عرض مليكة نجيب بيان الكتابة عندها، تشعل فتيل الحكي، لتنطلق بقوة شرارات حبلى بالمعرفة والفلسفة، الثقافة الشعبية...،أحيانا توهم القارئ بالواقعية من خلال الاعتناء ببعض التفاصيل الدقيقة، لتعدو حكاية المعطل الحالم بتبديد عطالته ببيع الحلزون، مجرد حامل لعناقيد من الأفكار والاستيهامات والتأملات والأحلام، تتأرجح فوق إيقاع متوتر عنيف هو إيقاع الذات الكاتبة.
في قصتها الثانية (الأسير)، تزيد مليكة من جرعة التجريب من خلال العمل هذه المرة على تقنية المرايا العاكسة والمتقابلة، في فضاء السجن بين الضحية والجلاد والقضية والوطن.
اعتمدت مليكة نجيب في قصتها الثالثة (الفتنة أشد ) على تقنية المفارقة، ففي عصر الإميل والتقنية الرقمية، يجد السارد نفسه مجبرا على امتطاء الحمار للوصول إلى مسقط الرأس لانتزاع ورقة إدارية، هذه القصة تنتج معرفة دقيقة بالمكونات الإثنية في القرية المغربية، كما يمكن اعتبارها حوارا أصيلا مع النصوص التي تستلهم سؤال الأصالة والمعاصرة، وأخص بالذكر قصة/ رواية (قنديل أم هاشم).
غمست مليكة نجيب بطلتها في مدارات الاغتراب في قصة (وانفجرت ضاحكة)، وقامت بتوصيف شعري مليء بالبياضات، الكاتبة سافرت إلى باريس لتسلم جائزتها، متوقعة عند لحظات استرجاع وتأمل للانكسارات الذاتية والموضوعية انتابت الكاتبة عند تسلم الجائزة، كما لاننسى استعراض مليكة نجيب قدرتها على الإلمام بتقنية الميتانص(الكتابة داخل الكتابة)، وإذ تفرد فقرات مكثفة لوصف مخاضات الإبداع.
في نصها الخامس (فلم يبق إلا صورة اللحم والدم)، التقطت مليكة نجيب سمات التحول الذي تعيشها المدينة المغربية من خلال رصد وقائع متوترة في مستشفى مغربي، استهدفت مليكة نجيب من خلال هذا الرصد أنسنة القبح من خلال لغة مترفة بالشعرية.
وصفوة القول نستعرضها من خلال الاتفاق مع كلام ناشر المجموعة:
تواصل مليكة نجيب مغامراتها الممتعة مع القصة القصيرة بنفس مغربي وروح ثائرة ومتطلعة إلى بناء أدراج من المعاني ضمن ستة طوابق من التخييل وست قصص تقول حكايات ممعنة في تفتيت البديهي، فهي تمضي «ردحا من الزمن في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع».
نفس مجدد ولغات تبحث عن أصوات تقودها للحكاية.. تلك هي مسارات قصص هذه المجموعة: مروض الحلزون، الأسيرة، الفتنة أشد، وانفجرت ضاحكة، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم، محال أن تشرق الشمس.
الخميس، 7 فبراير 2008
التجريب في مجموعة مليكة نجيب: وانفجرت ضاحكة
محمد الأزرق
0 0 Blogger
0
محمد الأزرق من طنجة: في الوقت الذي استكانت فيه قصة لطيفة باقا إلى تقنية التداعي الماتع والبصري، وخلدت قصة ربيعة ريحان إلى نوم مريح في ضيافة الشعر، ولن ننسى جنوح قصة حنان درقاوي إلى ضفاف الرواية ـ ثلاث قصص يخفين غاية السرد المكتوب بأقلام نسائية في المغرب ـ مازالت مليكة نجيب تحدث دوارا هائلا في ذهن قرائها، تكتب مليكة نجيب قصصا مرهقة باعثة التأمل، لاتحتمل القراءة الكسولة، إذ تبرز مليكة عناية فائقة بلغتها القصصية مستدعية ذلك القارئ اليقظ الباحث عن متعة فريدة،والذي لايرضى إلا بما هو أصيل وفرداني في مقروءه.
شبت قصة مليكة نجيب عن الطوق منذ مجموعتها الأولى (الحلم الأخضر)1997، إذ دخلت غمار القصة القصيرة مدججة بوعي أدبي خالص يكاد يخلو من أي إحساس نسوي، في مجموعتها القصصية الثانية(لنبدأ الحكاية)2000، بالغت مليكة في إخفاء صوتها النسوي، بتوريط شخوصها في أفضية بالغة العنف والذكورة (السوق، الشارع، السجن، الدرب)، واختلاق محكيات جامدة لاتئن أبدا. خاضت مليكة نجيب في مجموعتها (السماوي)2006 تجربة التفكيك والتشظي،، إذ يصعب تلخيص حكايا هذه المجموعة، إذ يهرول بنا السارد في قصص المجموعة عبر متاهات ومسارات لاتكف عن التحول والتوالد.
في مجموعتها الجديدة (وانفجرت ضاحكة) الصادرة عن منشورات القلم المغربي في طبعة الجيب، تذهب مليكة نجيب بعيدا في بحثها عن المختلف واحتفائها بالتجريب، فكل قصة/نص في المجموعة لايشبه الأخرى (مروض الحلزون، الأسير الفتنة أشد، وانفجرت ضاحكة، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم)، بل تستمتع في هذه المجموعة مليكة نجيب بتلك الفوضى الحميمة للكتابة.
في قصة (مروض الحلزون) تقحم مليكة القارئ في حالة تركيز شديد في مونولوغ مكثف يبدأ خطيا وما يلبث أن يتشعب وينتج أنساغا حية متجددة مفعمة بسمات المحلية، تستهل مليكة نجيب "مروض الحلزون" بلفت القارئ إلى ضرورة الإنصات العميق لقصتها، وإذ يستحيل الإمتاع دون معرفة أن الهاجس الذي يسود قصة مليكة هو العناية بالفكرة، وهكذا تقول في مطلع (مروض الحلزون): «.. نمضي ردحا من الزمان في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح. ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كسف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة التأويل، وتجانب مصب الترتيل.
تولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش العقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة.».
بعد عرض مليكة نجيب بيان الكتابة عندها، تشعل فتيل الحكي، لتنطلق بقوة شرارات حبلى بالمعرفة والفلسفة، الثقافة الشعبية...،أحيانا توهم القارئ بالواقعية من خلال الإعتناء ببعض التفاصيل الدقيقة، لتعدو حكاية المعطل الحالم بتبديد عطالته ببيع الحلزون، مجرد حامل لعناقيد من الأفكار والإستيهامات والتأملات والأحلام، تتأرجح فوق إيقاع متوتر عنيف هو إيقاع الذات الكاتبة.
في قصتها الثانية (الأسير)، تزيد مليكة من جرعة التجريب من خلال العمل هذه المرة على تقنية المرايا العاكسة والمتقابلة، في فضاء السجن بين الضحية والجلاد والقضية والوطن.
اعتمدت مليكة نجيب في قصتها الثالثة (الفتنة أشد) على تقنية المفارقة، ففي عصر الإميل والتقنية الرقمية، يجد السارد نفسه مجبرا على انتطاء الحمار للوصول إلى مسقط الرأس لانتزاع ورقة إدارية، هذه القصة تنتج معرفة دقيقة بالمكونات الإثنية في القرية المغربية، كما يمكن اعتبارها حوارا أصيلا مع النصوص التي تستلهم سؤال الأصالة والمعاصرة، وأخص بالذكر قصة/ رواية (قنديل أم هاشم).
غمست مليكة نجيب بطلتها في مدارات الإغتراب في قصة (وانفجرت ضاحكة)، وقامت بتوصيف شعري مليء بالبياضات، الكاتبة سافرت إلى باريس لتسلم جائزتها، متوقعة عند لحظات استرجاع وتأمل للإنكسارات الذاتية والموضوعية انتابت الكاتبة عند تسلم الجائزة، كما لاننسى استعراض مليكة نجيب قدرتها على الإلمام بتقنية الميتانص(الكتابة داخل الكتابة)، وإذ تفرد فقرات مكثفة لوصف مخاضات الإبداع.
في نصها الخامس (فلم يبق إلا صورة واللحم والدم)، التقطت مليكة نجيب سمات التحول الذي تعيشها المدينة المغربية من خلال رصد وقائع متوترة في مستشفى مغربي، استهدفت مليكة نجيب من خلال هذا الرصد أنسنة القبح من خلال لغة مترفة بالشعرية.
وصفوة القول نستعرضها من خلال الإتفاق مع كلام ناشر المجموعة:
تواصل مليكة نجيب مغامراتها الممتعة مع القصة القصيرة بنفس مغربي وروح ثائرة ومتطلعة إلى بناء أدراج من المعاني ضمن ستة طوابق من التخييل وست قصص تقول حكايات ممعنة في تفتيت البديهي، فهي تمضي "ردحا من الزمن في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع".
نفس مجدد ولغات تبحث عن أصوات تقودها للحكاية.. تلك هي مسارات قصص هذه المجموعة: مروض الحلزون، الأسيرة، الفتنة أشد، وانفجرت ضاحكة، فلم يبق إلا صورة واللحم والدم، محال أن تشرق الشمس.
شبت قصة مليكة نجيب عن الطوق منذ مجموعتها الأولى (الحلم الأخضر)1997، إذ دخلت غمار القصة القصيرة مدججة بوعي أدبي خالص يكاد يخلو من أي إحساس نسوي، في مجموعتها القصصية الثانية(لنبدأ الحكاية)2000، بالغت مليكة في إخفاء صوتها النسوي، بتوريط شخوصها في أفضية بالغة العنف والذكورة (السوق، الشارع، السجن، الدرب)، واختلاق محكيات جامدة لاتئن أبدا. خاضت مليكة نجيب في مجموعتها (السماوي)2006 تجربة التفكيك والتشظي،، إذ يصعب تلخيص حكايا هذه المجموعة، إذ يهرول بنا السارد في قصص المجموعة عبر متاهات ومسارات لاتكف عن التحول والتوالد.
في قصة (مروض الحلزون) تقحم مليكة القارئ في حالة تركيز شديد في مونولوغ مكثف يبدأ خطيا وما يلبث أن يتشعب وينتج أنساغا حية متجددة مفعمة بسمات المحلية، تستهل مليكة نجيب "مروض الحلزون" بلفت القارئ إلى ضرورة الإنصات العميق لقصتها، وإذ يستحيل الإمتاع دون معرفة أن الهاجس الذي يسود قصة مليكة هو العناية بالفكرة، وهكذا تقول في مطلع (مروض الحلزون): «.. نمضي ردحا من الزمان في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح. ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كسف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة التأويل، وتجانب مصب الترتيل.
تولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش العقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة.».
بعد عرض مليكة نجيب بيان الكتابة عندها، تشعل فتيل الحكي، لتنطلق بقوة شرارات حبلى بالمعرفة والفلسفة، الثقافة الشعبية...،أحيانا توهم القارئ بالواقعية من خلال الإعتناء ببعض التفاصيل الدقيقة، لتعدو حكاية المعطل الحالم بتبديد عطالته ببيع الحلزون، مجرد حامل لعناقيد من الأفكار والإستيهامات والتأملات والأحلام، تتأرجح فوق إيقاع متوتر عنيف هو إيقاع الذات الكاتبة.
في قصتها الثانية (الأسير)، تزيد مليكة من جرعة التجريب من خلال العمل هذه المرة على تقنية المرايا العاكسة والمتقابلة، في فضاء السجن بين الضحية والجلاد والقضية والوطن.
اعتمدت مليكة نجيب في قصتها الثالثة (الفتنة أشد) على تقنية المفارقة، ففي عصر الإميل والتقنية الرقمية، يجد السارد نفسه مجبرا على انتطاء الحمار للوصول إلى مسقط الرأس لانتزاع ورقة إدارية، هذه القصة تنتج معرفة دقيقة بالمكونات الإثنية في القرية المغربية، كما يمكن اعتبارها حوارا أصيلا مع النصوص التي تستلهم سؤال الأصالة والمعاصرة، وأخص بالذكر قصة/ رواية (قنديل أم هاشم).
غمست مليكة نجيب بطلتها في مدارات الإغتراب في قصة (وانفجرت ضاحكة)، وقامت بتوصيف شعري مليء بالبياضات، الكاتبة سافرت إلى باريس لتسلم جائزتها، متوقعة عند لحظات استرجاع وتأمل للإنكسارات الذاتية والموضوعية انتابت الكاتبة عند تسلم الجائزة، كما لاننسى استعراض مليكة نجيب قدرتها على الإلمام بتقنية الميتانص(الكتابة داخل الكتابة)، وإذ تفرد فقرات مكثفة لوصف مخاضات الإبداع.
في نصها الخامس (فلم يبق إلا صورة واللحم والدم)، التقطت مليكة نجيب سمات التحول الذي تعيشها المدينة المغربية من خلال رصد وقائع متوترة في مستشفى مغربي، استهدفت مليكة نجيب من خلال هذا الرصد أنسنة القبح من خلال لغة مترفة بالشعرية.
وصفوة القول نستعرضها من خلال الإتفاق مع كلام ناشر المجموعة:
تواصل مليكة نجيب مغامراتها الممتعة مع القصة القصيرة بنفس مغربي وروح ثائرة ومتطلعة إلى بناء أدراج من المعاني ضمن ستة طوابق من التخييل وست قصص تقول حكايات ممعنة في تفتيت البديهي، فهي تمضي "ردحا من الزمن في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع".
نفس مجدد ولغات تبحث عن أصوات تقودها للحكاية.. تلك هي مسارات قصص هذه المجموعة: مروض الحلزون، الأسيرة، الفتنة أشد، وانفجرت ضاحكة، فلم يبق إلا صورة واللحم والدم، محال أن تشرق الشمس.
الخميس، 1 يونيو 2006
السماوي جديد القاصة المغربية – مليكة نجيب – |
| 20 يونيو 2006 |
عن منشورات القلم المغربي، صدرت للقاصة المغربية المتميزة مليكة نجيب مجموعة جديدة تحت عنوان ” السماوي” وهو عنوان له دلالته ومغزاه وأسطورته، والقارئ لهذه المجموعة التي تضم تسع قصص سوف يكتشف إلى أي حد هذه الكاتبة مخلصة لسمواتها الرحبة والمشرعة لكل الشموس والأقمار والنجوم…
فالمجموعة متنوعة المواضيع، شيقة الحكايات ، كثيفة المعنى، متينة البناء، ولا ترتفع عن الواقع إلا لتغوص في أعماقه مفترعة الحلم والخرافة والجنس والذاتي والاجتماعي والسياسي والنسوي والرقمي الافتراضي وحالات من جنون خاص كالرغبة في الانتحار أو الزواج من الجن، أو مواجهة القيم الجديدة، بالعيش، نكاية فيها، على الهامش..
ونقرأ من قصة تحت عنوان” طلطيوش” ما يلي:” لم أكن وحيدة فوق فراش العنوسة. احتواني داخله بيضة، نواة لانطلاق حياة مختلفة.
جرفني. دغدغني. حملني. احتضنني. تسربلني. جمدني وأذابني. جرعني ثم دفقني: نشوة، حلما، انتشاء، تلمست فراشي، تفقدت نفسي واستنجدت بحواسي الراقدة. فقد يحدث أن نصير غرباء عن أنفسنا وتنتصب قطيعة عميقة بين ذات تشعر وتضبط وترسم وتخطط وبين جسد ممتد الأعضاء والروح والحواس، قد يعتقد أنه حي في عالم ميت، متوقف، وقد يكون بالفعل ميتا ومعدوما وسط عالم فوار. انتبهت أستجمع “آنتي” اليقظة المتربصة بآناتي المتعددة المتشتتة.
ولم أجد رغبة في الاحتماء بالمطبخ كما اعتدت على ذلك…”
وللإشارة، فالمجموعة تقع في 93 صفحة من الحجم المتوسط، وهي المجموعة الثالثة للكاتبة بعد، “الحلم الأخضر” سنة 1997 و” لنبدأ الحكاية” سنة 2000.
فالمجموعة متنوعة المواضيع، شيقة الحكايات ، كثيفة المعنى، متينة البناء، ولا ترتفع عن الواقع إلا لتغوص في أعماقه مفترعة الحلم والخرافة والجنس والذاتي والاجتماعي والسياسي والنسوي والرقمي الافتراضي وحالات من جنون خاص كالرغبة في الانتحار أو الزواج من الجن، أو مواجهة القيم الجديدة، بالعيش، نكاية فيها، على الهامش..
ونقرأ من قصة تحت عنوان” طلطيوش” ما يلي:” لم أكن وحيدة فوق فراش العنوسة. احتواني داخله بيضة، نواة لانطلاق حياة مختلفة.
جرفني. دغدغني. حملني. احتضنني. تسربلني. جمدني وأذابني. جرعني ثم دفقني: نشوة، حلما، انتشاء، تلمست فراشي، تفقدت نفسي واستنجدت بحواسي الراقدة. فقد يحدث أن نصير غرباء عن أنفسنا وتنتصب قطيعة عميقة بين ذات تشعر وتضبط وترسم وتخطط وبين جسد ممتد الأعضاء والروح والحواس، قد يعتقد أنه حي في عالم ميت، متوقف، وقد يكون بالفعل ميتا ومعدوما وسط عالم فوار. انتبهت أستجمع “آنتي” اليقظة المتربصة بآناتي المتعددة المتشتتة.
ولم أجد رغبة في الاحتماء بالمطبخ كما اعتدت على ذلك…”
وللإشارة، فالمجموعة تقع في 93 صفحة من الحجم المتوسط، وهي المجموعة الثالثة للكاتبة بعد، “الحلم الأخضر” سنة 1997 و” لنبدأ الحكاية” سنة 2000.
السبت، 1 يناير 2000
قصة مروّض الحلزون .. : مليكة نجيب
نمضي ردحا من الزمن في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح.
ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كشف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة الـتأويل، وتجانب مصب الترتيل.
وتولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش عقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة.
والأفكار فيض بلا حد، وغيث متهاطل، تحبل به الكتب الكاسدة بصقيع حديد المكتبات المزينة أغلبها لديكورات بعض المنازل، والمنفية دوما من جلسات وسمر البيوت.
عند ارتباطي بالعطالة غصبا، هجرني الخلان فارتكنت إلى الكتب أعب من مصب أفكارها وأستأنس بها من وحشة القنط.
حدث أن وصلت فكرة بيني وبين الحلزون، ذلك الحيوان ذو الجسد الرخو، و الكتلة الهرمونية الزاحفة المانحة للقوة، والمقاومة للعجز والخنوع واليأس، يمنح كربونات الكالسيوم ومواد عضوية، يكسب تناولها باستمرار، بأسا ومنافع للناس.
ضحيت بصفحات من مفكرة عمري العاطلة في سبيل الإلمام بأنساب الحلزون العريقة، واستحسنت رفقة ذلك المخلوق الزاحف بزمنه المتأني الحكيم وكرمه في فك طلاسم عطالتي.
لم أستسغ إجباري على تحمل ثقل حواجز كل مبادرة للتثبت بأسلاك الإدارة وأنا مكبل بقيود البطالة. كانت كل محاولة مني للمس تلك الأسلاك توصلني بصعقة كهربائية ترديني متخشبا.
وجدت الحواجز عاتية تتقاذفني بعيدا عن شط العمل. ذريعة تصون آمان العمل للأوصياء عليه.
انزويت معانقا الكتاب في ركن العجز، أنقب عن منفذ أسلكه، لما ولى التوفيق أدباره، وتأسفت الردود بتعذر الاستجابة لطلباتي، ولم تعد الوالدة تخفي أظرفة اليأس في صدرها، بتحسر صارت تسلمني إياها.
ورمت بي الأفكار بين لجج هوس سيزيف لتعلمني الغوص لاقتناص مورد للعيش.
استنجدت بتخصصي في الإحصاء التطبيقي لتجريد الأفكار من خيالاتها وهي “,”طايرة“,”. طلقت عطالة القطاع العمومي وفي القلب لوعة. واستعنت بجبروت الأرقام لفك البؤس عن وضعيتي.
وجدت الحلزون قارب نجاتي من بطش الفشل وسم الإحباط.
هام على وجهه وحيدا، بجلبابه المتموج، يتعكز جزؤه السفلي، أعزلا لاصقا بأهداب حريته، لا يملأ العين التي لا يملأها سوى التراب.
زحفت جموعه بخيرها وبركتها، تحمل معها بيوتها، تواجه قامات الإسمنت الزاحفة، بالتحصن بالأشجار والبرك والنباتات، خوفا من أن تخبط حيطان بيوتها المزركشة بأقدام الإسمنت العشوائية، وأن تنتزع من أوطانها بمخالب مفترسها الوحيد.
لتجسيد فكرة مشروعي راهنت على عربة يد و“,”برمة“,” مستعارة من البيت بمباركة الوالدة، وبقايا خشب من مشروع تشجير حالف الشؤم مولده.
اشتريت أعشاب وصفة تحضير الحلزون: قشور ليمون، قشور رمان، قشور قرفة، وكميات متكافئة من : أزير، بسيبسة، حبة حلاوة، خدنجال، عرق سوس، زعتر، زعيترة، فليو، سكين جبير، السودانية، كروية، نويويرة، نافع، ورقة سيدنا موسى، ورقة نعناع.
عيدان لإشعال القوة.
توابل لإذكاء تأجج الرغبة، وهي من “,”المجرب الصحيح“,” كما يقول سيدنا النفزاوي.
مرارة لمقاومة المرارة.
أحجية لفك طلاسم العجز والتردد.
و خليط لخلط كل المتناقضات.
إبرة لتصيد ما بطن من بطن الحلزون.
و“,”زلافة“,” لاحتضانه زرافات.
يتغيى مشروعي، على المدى القريب إعداد حلزون واحد لكل راغب من ساكنة جماعة يعقوب المنصور، التي تقارب المليون نسمة، كثافة سكانية مرتفعة من الرجال والشيوخ والمقاومين والعاطلين والعانسات والمحتاجين والعاقرين والمطلقين والأطفال المتبنين، وضحايا النجاة، وغرقى سومة الكهرباء والماء العاتية، وعابري المدارس والمدرجات والأحلام والمتمرسين بالأزقة والشوارع والآمال والأوهام.
توفير “,”زلافة“,” من الحلزون الممرق كل ليلة للراغبين هدف المشروع على المدى المتوسط، وتضم الزلافة عشرة حلزونات: حرصت على تشكيل القدر من كل الأصناف : جنس الأنثى الحلزونية، جنس الذكر الحلزوني والجنس الحلزوني المختلط الهرمفروديتي.
الخليط المتنوع يغري بالإدمان، فمستهلكوه العطشى لكراماته يلتهمونه دون مضغ : يلج القفص الصدري ويحطه سيل اللهفة من عل ليسلك القولون ويلتصق عند انجرافه بجدار البطن، هناك تطله غريزة الحياة المتوثبة دوما بالبطن، فينشط وتتضاعف خلاياه وتولد حاجة ملحة وتعطشا للتزود بكميات مضاعفة.
وازى نشاط الحلزون بفضاء البطن نشاط تجارتي، صنعت من بيوته المتقوقعة قلادات وغلالات لأعناق الحسان، وتفننت في تخصيب كل الأجناس الحلزونية حتى الذكر منها، وأضفت إلى مادتها اللزجة أنزيمات تجعل اللصق أبديا لا فكاك منه، وطورت استغلال المقالع باستخراجه بالليزر تارة، وأخرى بالتنجيم وقراءة الكف.
أصبحت مستثمرا محليا معفى من الضرائب، فاوضتني الجهات المختصة بمد قوقعات غلالة بأجهزة تصنت، وأجهزة تتبع عن قرب.
أفصحت لي فكرة عن وشاية تحتمل التكذيب، تخص إنشاء مرصد للتنصت المعوي غير المكلف، عبر تسخير عين الحلزون لتعقب حركة الأمعاء والقلب والأعضاء التناسلية.
راجعت جموع الحلزون موقفها من قارضها الوحيد، وصارت تخرج عن بكرة أبيها لاستقبالي، تلتصق بي، وتبصم ملابسي بلصاقها وتنقاد إلى قدرها المحتوم، المسود بوقود بقايا مشروع تشجير مقبور.
صرت مروض الحلزون بامتياز.
ذاك المساء الشتوي، بدوار الكورة بالحي، تجمهر حشد كبير حول عربتي وهي تتوهج بإصلاحات التحديث، وانتصبت طوابق زجاجية ملونة فوق الطابق الأرضي المنفتح على صالة للأعيان زودت بمقصورات فردية مؤثتة وفق النهج الحداثي، حلقت روائح الزعتر والليمون والقرنفل لرد أدى العين الحاسدة.
لم تكف كميات “,”غلالة“,” المطبوخة والمانحة للقوة والوهم، لإخماد أوار المتعطشين والأرامل والعوانس وعابري المدارس والآمال والأحلام، تخلوا عن الأسلاك والعيدان الدقيقة المشهرة لفقأ عين الحلزون الراصدة لجدبتهم، وهم ينشدون تصيد أوج الارتواء والانتشاء تحت سياط شرههم.
وانتشرت بقايا الحلزون تلسع الأرض بأنزيماتها وتلدغ مدمنيها وتجرفهم بمد من الجدبة والألم، تدور حولهم ببيوتها المضاءة، وهم يتلمسون سبيل الخلاص لهفى لمزيد من كراماتها.
استنتجت الجهات المختصة أن الحلزون وإن كان لا يملأ العين المجردة التي لا يملأها سوى التراب، فهو يطفو على شبكة عينها الساهرة بحرية. مقالعه مدرة للربح، معفية من الضرائب، جالبة للبركة.
يتعين تقييده بقوانين منظمة لأفكاره الراشدة والقاصرة وتحركاته داخل قوقعاته وخارجها.
يتعين مصادرة كل الأفكار.
ودون ترخيص مسبق، رحلت أسراب الحلزون من مقالعها ومرابطها بالحي دون أن تكشف عن وجهتها.
قد يكون قصيدها الغيث لاستدرار مادتها اللزجة التي استنفدها الهجير.
سبات عميق بكهف طلل، دون بابه النسيان، ربما يكون ملاذ هجرتهم.
... مجرد أفكار.
وهذا المساء الربيعي المتقلب، بعد أن صودرت العربة. تحلق حولي متعاطو الحلزون، يرفعون شعارات تمجده وتحن لمعجزاته.
وارتفعت آناتهم مطالبة بحصتهم اليومية لإقبار رغبة متقدة وللدوس على وهج شاخ بدواخلهم.
ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كشف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة الـتأويل، وتجانب مصب الترتيل.
وتولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش عقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة.
والأفكار فيض بلا حد، وغيث متهاطل، تحبل به الكتب الكاسدة بصقيع حديد المكتبات المزينة أغلبها لديكورات بعض المنازل، والمنفية دوما من جلسات وسمر البيوت.
عند ارتباطي بالعطالة غصبا، هجرني الخلان فارتكنت إلى الكتب أعب من مصب أفكارها وأستأنس بها من وحشة القنط.
حدث أن وصلت فكرة بيني وبين الحلزون، ذلك الحيوان ذو الجسد الرخو، و الكتلة الهرمونية الزاحفة المانحة للقوة، والمقاومة للعجز والخنوع واليأس، يمنح كربونات الكالسيوم ومواد عضوية، يكسب تناولها باستمرار، بأسا ومنافع للناس.
ضحيت بصفحات من مفكرة عمري العاطلة في سبيل الإلمام بأنساب الحلزون العريقة، واستحسنت رفقة ذلك المخلوق الزاحف بزمنه المتأني الحكيم وكرمه في فك طلاسم عطالتي.
لم أستسغ إجباري على تحمل ثقل حواجز كل مبادرة للتثبت بأسلاك الإدارة وأنا مكبل بقيود البطالة. كانت كل محاولة مني للمس تلك الأسلاك توصلني بصعقة كهربائية ترديني متخشبا.
وجدت الحواجز عاتية تتقاذفني بعيدا عن شط العمل. ذريعة تصون آمان العمل للأوصياء عليه.
انزويت معانقا الكتاب في ركن العجز، أنقب عن منفذ أسلكه، لما ولى التوفيق أدباره، وتأسفت الردود بتعذر الاستجابة لطلباتي، ولم تعد الوالدة تخفي أظرفة اليأس في صدرها، بتحسر صارت تسلمني إياها.
ورمت بي الأفكار بين لجج هوس سيزيف لتعلمني الغوص لاقتناص مورد للعيش.
استنجدت بتخصصي في الإحصاء التطبيقي لتجريد الأفكار من خيالاتها وهي “,”طايرة“,”. طلقت عطالة القطاع العمومي وفي القلب لوعة. واستعنت بجبروت الأرقام لفك البؤس عن وضعيتي.
وجدت الحلزون قارب نجاتي من بطش الفشل وسم الإحباط.
هام على وجهه وحيدا، بجلبابه المتموج، يتعكز جزؤه السفلي، أعزلا لاصقا بأهداب حريته، لا يملأ العين التي لا يملأها سوى التراب.
زحفت جموعه بخيرها وبركتها، تحمل معها بيوتها، تواجه قامات الإسمنت الزاحفة، بالتحصن بالأشجار والبرك والنباتات، خوفا من أن تخبط حيطان بيوتها المزركشة بأقدام الإسمنت العشوائية، وأن تنتزع من أوطانها بمخالب مفترسها الوحيد.
لتجسيد فكرة مشروعي راهنت على عربة يد و“,”برمة“,” مستعارة من البيت بمباركة الوالدة، وبقايا خشب من مشروع تشجير حالف الشؤم مولده.
اشتريت أعشاب وصفة تحضير الحلزون: قشور ليمون، قشور رمان، قشور قرفة، وكميات متكافئة من : أزير، بسيبسة، حبة حلاوة، خدنجال، عرق سوس، زعتر، زعيترة، فليو، سكين جبير، السودانية، كروية، نويويرة، نافع، ورقة سيدنا موسى، ورقة نعناع.
عيدان لإشعال القوة.
توابل لإذكاء تأجج الرغبة، وهي من “,”المجرب الصحيح“,” كما يقول سيدنا النفزاوي.
مرارة لمقاومة المرارة.
أحجية لفك طلاسم العجز والتردد.
و خليط لخلط كل المتناقضات.
إبرة لتصيد ما بطن من بطن الحلزون.
و“,”زلافة“,” لاحتضانه زرافات.
يتغيى مشروعي، على المدى القريب إعداد حلزون واحد لكل راغب من ساكنة جماعة يعقوب المنصور، التي تقارب المليون نسمة، كثافة سكانية مرتفعة من الرجال والشيوخ والمقاومين والعاطلين والعانسات والمحتاجين والعاقرين والمطلقين والأطفال المتبنين، وضحايا النجاة، وغرقى سومة الكهرباء والماء العاتية، وعابري المدارس والمدرجات والأحلام والمتمرسين بالأزقة والشوارع والآمال والأوهام.
توفير “,”زلافة“,” من الحلزون الممرق كل ليلة للراغبين هدف المشروع على المدى المتوسط، وتضم الزلافة عشرة حلزونات: حرصت على تشكيل القدر من كل الأصناف : جنس الأنثى الحلزونية، جنس الذكر الحلزوني والجنس الحلزوني المختلط الهرمفروديتي.
الخليط المتنوع يغري بالإدمان، فمستهلكوه العطشى لكراماته يلتهمونه دون مضغ : يلج القفص الصدري ويحطه سيل اللهفة من عل ليسلك القولون ويلتصق عند انجرافه بجدار البطن، هناك تطله غريزة الحياة المتوثبة دوما بالبطن، فينشط وتتضاعف خلاياه وتولد حاجة ملحة وتعطشا للتزود بكميات مضاعفة.
وازى نشاط الحلزون بفضاء البطن نشاط تجارتي، صنعت من بيوته المتقوقعة قلادات وغلالات لأعناق الحسان، وتفننت في تخصيب كل الأجناس الحلزونية حتى الذكر منها، وأضفت إلى مادتها اللزجة أنزيمات تجعل اللصق أبديا لا فكاك منه، وطورت استغلال المقالع باستخراجه بالليزر تارة، وأخرى بالتنجيم وقراءة الكف.
أصبحت مستثمرا محليا معفى من الضرائب، فاوضتني الجهات المختصة بمد قوقعات غلالة بأجهزة تصنت، وأجهزة تتبع عن قرب.
أفصحت لي فكرة عن وشاية تحتمل التكذيب، تخص إنشاء مرصد للتنصت المعوي غير المكلف، عبر تسخير عين الحلزون لتعقب حركة الأمعاء والقلب والأعضاء التناسلية.
راجعت جموع الحلزون موقفها من قارضها الوحيد، وصارت تخرج عن بكرة أبيها لاستقبالي، تلتصق بي، وتبصم ملابسي بلصاقها وتنقاد إلى قدرها المحتوم، المسود بوقود بقايا مشروع تشجير مقبور.
صرت مروض الحلزون بامتياز.
ذاك المساء الشتوي، بدوار الكورة بالحي، تجمهر حشد كبير حول عربتي وهي تتوهج بإصلاحات التحديث، وانتصبت طوابق زجاجية ملونة فوق الطابق الأرضي المنفتح على صالة للأعيان زودت بمقصورات فردية مؤثتة وفق النهج الحداثي، حلقت روائح الزعتر والليمون والقرنفل لرد أدى العين الحاسدة.
لم تكف كميات “,”غلالة“,” المطبوخة والمانحة للقوة والوهم، لإخماد أوار المتعطشين والأرامل والعوانس وعابري المدارس والآمال والأحلام، تخلوا عن الأسلاك والعيدان الدقيقة المشهرة لفقأ عين الحلزون الراصدة لجدبتهم، وهم ينشدون تصيد أوج الارتواء والانتشاء تحت سياط شرههم.
وانتشرت بقايا الحلزون تلسع الأرض بأنزيماتها وتلدغ مدمنيها وتجرفهم بمد من الجدبة والألم، تدور حولهم ببيوتها المضاءة، وهم يتلمسون سبيل الخلاص لهفى لمزيد من كراماتها.
استنتجت الجهات المختصة أن الحلزون وإن كان لا يملأ العين المجردة التي لا يملأها سوى التراب، فهو يطفو على شبكة عينها الساهرة بحرية. مقالعه مدرة للربح، معفية من الضرائب، جالبة للبركة.
يتعين تقييده بقوانين منظمة لأفكاره الراشدة والقاصرة وتحركاته داخل قوقعاته وخارجها.
يتعين مصادرة كل الأفكار.
ودون ترخيص مسبق، رحلت أسراب الحلزون من مقالعها ومرابطها بالحي دون أن تكشف عن وجهتها.
قد يكون قصيدها الغيث لاستدرار مادتها اللزجة التي استنفدها الهجير.
سبات عميق بكهف طلل، دون بابه النسيان، ربما يكون ملاذ هجرتهم.
... مجرد أفكار.
وهذا المساء الربيعي المتقلب، بعد أن صودرت العربة. تحلق حولي متعاطو الحلزون، يرفعون شعارات تمجده وتحن لمعجزاته.
وارتفعت آناتهم مطالبة بحصتهم اليومية لإقبار رغبة متقدة وللدوس على وهج شاخ بدواخلهم.
الأربعاء، 1 يناير 1997
مليكة نجيب: الحلم الأخضـر
أنا الرجل المحترم، ترتجف الورقة بيدي بلا روح، تنتابها هستيرية الإحباط وتجثم مخالب الأقلام على أنفاسها، فتلجم لغوها، وتتجسد الكلمات هراوات حديدية تزهق روح الورق وتبرز الإشارات الضوئية الحمراء قانية تمنع الحركة والمرور، والإشارات كلمات خطت بتحد على ورق محلي رخيص اختصرت مقتضبة في : "تغلب على كتاباتك المباشرة والتقريرية، تغيب آليات الكتابة والإبداع، ننصحك بمداومة المطالعة"، تتراقص الحروف حول نيران متأججة، الطبول إفريقية، تقرع وسط أدغال موحشة، تقل إلى صفراء، فبنفسجية، ثم حمراء قرنفلية، وتنبهني إلى التخلي عن الكتابة.
كانت الكلمات تقصدني، تقصد المحاولات العديدة التي أمضيت زمنا في نحت تماثيلها، وبث الروح في أجسادها. إن أقفال جنة الكتابة موصدة في وجهي، ويتعاظم حنقي بتذكر موقف زوجتي من الكتابة ونعتها بأنها حرفة الضائعين، أي من لا حرفة لهم، ستغتبط زوجتي، وستلهب حلمي بسوط لسانها، تنعتني بالفشل في الكتابة والحياة.
أقلب الورقة بين أصابعي، الحروف قضبان حديدية سميكة تتجمع لتخلق فاصلا حديديا مانعا، يفصل الممرات الضيقة عن الشارع العريض، أترك الفاصل الحديدي وهو يعيق تقدمي إلى الأمام وأجوب الشوارع المزينة بالمصابيح والأنوار بمناسبة التدشين الرسمي لمتحف المدينة.
تأخذني خطواتي إلى النادي الرياضي، الرابض بالمدينة العانس، "يستقبل" الكرسي الخشبي البارد أشلاء جسمي الحيواني. يقصدني سي لحسن النادل بابتسامته الماكرة المعهودة، ينتظرنا بالترحاب والتهليل والسؤال عن الأحوال، ويتعمد السؤال عن زوجتي، يلقبها بالداخلية. لا يفتأ يردد :
- هل تعلم الداخلية بمجيئك إلى النادي؟ هل باركت الداخلية سهرك الليلة؟
ويختم نادرته بأمنيته بأن لا تضبطني متلبسا بإفراغ كل الكؤوس التي تصلها يدي في جوفي. وسي لحسن يستقبل معظم الرواد بمرحه، ويودعهم بغلظة وقسوة متذمرا من عربدتهم وسكرهم واستماتتهم في الارتواء.
جل رواد النادي محترمون. يأتون ببدل أنيقة، منسجمة الألوان والأشكال، أنا أحدهم وقد تعمدت اليوم اختيار بدلتي بنفسي، لقد أقصيت زوجتي عمدا، اخترت السروال الكاكي، والقميص البني الفاقع، لا شك أنكم تتفقون معي في تعايش اللونين، يزين نصفي حزام تتخلله دوائر صغيرة مذهبة، يتخللها مسمار دقيق مكعب، تعلو ربطة عنق حريرية يغلب عليها لون "بلعمان"، تسريحة شعري إلى الخلف تلائمني، وضعت قطرات عطر مكثفة خلف أذني وأرنبة أنفي. إني رجل لا يستهان به، ولو كان رأي النقاد معتدلا لكنت محترما وقورا. إن موقف هؤلاء قد ترك مرارة في حلقي. أفك الزر الأعلى لقميصي، وأخفف من ضغط ربطة العنق.
ماذا لو نصحوني بأن أبوح بأحلامي؟.
يتراءى لي جوربي "البيج" من تحت أقصى سروالي. أضع رجلي اليمنى على اليسرى، وأجذب الجورب فوق أشرطة سروال النوم الداخلي، أتلهى بشعيرات شاربي. أنا رجل محترم دون شك، وأتحدى رأي زوجتي الداخلية التي تشكك في عنفوان ذكورتي.
يتوافد البعض، أغلبهم من الذكور، يغيظني ذلك، فتواجد الجنس الآخر بهذا المكان يلطف الجو وينبئ بالامتناع والمؤانسة.
تتصاعد حرارة المكان، وتتعالى ضحكات وتعليقات الرواد، يطبق عليها تعليق سي لحسن "أرى برع"، "أطحن"، وهو يدور بين الطاولات الثملة المكتظة، يقظا، متوجسا، يقطع نصفه حزام علقت عليه محفظة يملأها بسخاء السكارى، يضع أمامي الجعة المثلجة، حبات لؤلؤ تحضنها. أهي الثامنة، أم التاسعة بعد العاشرة أو العشرين؟ لم أعد أضبط العدد. من المؤكد أنها حسناء لم تتجاوز العشرين، أصبها زخات متتابعة تجرف معها المرارة، كل المرارة، فشلي في الكتابة. ضعفي أمام الآخرين، وكرهي لزوجتي. أفك أسر الدائرة المذهبة من ربقة المسمار المكعب الرأس، وأوسع من الحزام الأسود لأترك مجالا لمجرى الجعة، تمتصها أمعائي بتلهف، يجف حلقي، واشعر برغبة مجنونة في الارتواء. أشير بيدي أو بأصبعي.ينبري سي لحسن – أرى برع – قنينات ربيعية، تتداعى أمامي، تطفئ ظمئي الأزلي بسيقانها الطويلة المنحوتة، وجيدها الفارع، يشل تفكيري، أتناسى زوجتي الحانقة الراغبة في إغرائي بمجالستها بعد أن استنفذت كل أسرارها، وأنا شهريار الضائع أحن إلى حكايات تمحو لوعة الفشل المتواصل، أنا الثمل الآن، المنتشي بربيع الجعة، وحرارة المكان !
أحلم برضى النقاد، واستجابة عزيزة لنداءاتي. يكــــفي ذكرها لمؤانستي، أراها جسدا بضا، يافعا، تلفحني شظايا أنفاسها، يذوب شوقي ويجري شلالات تقذفني إلى قمة الانتشاء.
حركة نشيطة بين الطاولات، الزحف على أشده نحو مراحيض النادي التي "ثملت" بدورها بعصارة العنب والشعير مع الهموم والحصار، الأقمصة تترك قواعدها، الأحزمة تخفف قبضتها، والسراويل الداخلة إلى المرحاض والخارجة منه فقدت التوازن وتماهت مع ارتخاء مخدر.
أنا أحب الجعة وعزيزة، إنهما تمنحاني الثقة في الحياة والحلم والكتابة، لكنني أكره نظرة الاحتياج في عيون أولادي وانعدام جسور التفاهم بيننا وأخاف الموت بمهانة، فلتحي عزيزة التي تخليت لها عن ثروتي، وفديتها عطرا، وردا وعشقا، ولتمت زوجتي، أصرخ وقد قفزت فوق الطاولة المستديرة :
– "بص شوف عزيزة بتعمل إيه – بص شوف عزيزة بتعمل إيه ".
وكانت عزيزة تخلع عني قميصي البني الفاقع وسروالي الكاكي بحركات مدربة وقد تعطلت في فك الأزرار.
أصحاب المجلس لا يبالون بي، ولا تستهويهم عزيزة، يكون سي لحسن المتطفل الوحيد في هذا الوضع الحميمي الذي يضيع على عزيزة فرصة فك الأزرار وكانت آخر مرحلة للاختلاء بها. صوته حازم في إنزالي من الطاولة، وطردي خارج المجلس.
لا أع ما يردد وإن كنت أحس بقوة قبظته على كتفي، أستغرب قسوته علي وقد اعتقدته صديقي، وذات مرة، وكان الطقس خريفيا منع توافد الرواد، تمكن من مجالستي ودعوته إلى الشرب بصحبتي، لكنه فضل ثمنها، أذكر أنه يومها كان غريبا، حزينا، أسر إلي قائلا والعهدة على من أخبر : "تيقن أنني حزين على فقدان دوداييف حزني على وفاة أبي وأم كلثوم، مكانة الثلاثة متكافئة بقلبي، لا تعوض، يعزيني صوت أم كلثوم، وأحلم بدوداييف بكل مكان، وأبي ورثني مسؤولية إخوة ودين، وأنا أعيش على ذكرى الثلاثة، ولن أنساهم ما حييت".
نطق بذلك يومها وانسل بين الطاولات، ولكنه الآن يجرني إلى الخارج، أنا الرجل المحترم ذو البذلة المنسجمة، يرمى بجسمي وسط تاكسي يلفظني إلى البيت.
زوجتي لا تنام، لا تستطيع ذلك قبل أن تجلدني بلسانها، أتمنى باستمرار لو كانت الخمرة كالكتابة تجهل زوجتي فك طلاسمها، لكن رائحة الخمرة العبقة تثير بطشها، زوجتي التي يكبر حنقي عليها على رفض النقاد لأحلامي، وسخطي على عدم فك أزرار قميصي بأنامل عزيزة المدربة. أتجشأ، يلفظ فمي سائلا حارقا، ينعي حلمي بالكتابة والفوز بقلب عزيزة.
كانت الكلمات تقصدني، تقصد المحاولات العديدة التي أمضيت زمنا في نحت تماثيلها، وبث الروح في أجسادها. إن أقفال جنة الكتابة موصدة في وجهي، ويتعاظم حنقي بتذكر موقف زوجتي من الكتابة ونعتها بأنها حرفة الضائعين، أي من لا حرفة لهم، ستغتبط زوجتي، وستلهب حلمي بسوط لسانها، تنعتني بالفشل في الكتابة والحياة.
أقلب الورقة بين أصابعي، الحروف قضبان حديدية سميكة تتجمع لتخلق فاصلا حديديا مانعا، يفصل الممرات الضيقة عن الشارع العريض، أترك الفاصل الحديدي وهو يعيق تقدمي إلى الأمام وأجوب الشوارع المزينة بالمصابيح والأنوار بمناسبة التدشين الرسمي لمتحف المدينة.
تأخذني خطواتي إلى النادي الرياضي، الرابض بالمدينة العانس، "يستقبل" الكرسي الخشبي البارد أشلاء جسمي الحيواني. يقصدني سي لحسن النادل بابتسامته الماكرة المعهودة، ينتظرنا بالترحاب والتهليل والسؤال عن الأحوال، ويتعمد السؤال عن زوجتي، يلقبها بالداخلية. لا يفتأ يردد :
- هل تعلم الداخلية بمجيئك إلى النادي؟ هل باركت الداخلية سهرك الليلة؟
ويختم نادرته بأمنيته بأن لا تضبطني متلبسا بإفراغ كل الكؤوس التي تصلها يدي في جوفي. وسي لحسن يستقبل معظم الرواد بمرحه، ويودعهم بغلظة وقسوة متذمرا من عربدتهم وسكرهم واستماتتهم في الارتواء.
جل رواد النادي محترمون. يأتون ببدل أنيقة، منسجمة الألوان والأشكال، أنا أحدهم وقد تعمدت اليوم اختيار بدلتي بنفسي، لقد أقصيت زوجتي عمدا، اخترت السروال الكاكي، والقميص البني الفاقع، لا شك أنكم تتفقون معي في تعايش اللونين، يزين نصفي حزام تتخلله دوائر صغيرة مذهبة، يتخللها مسمار دقيق مكعب، تعلو ربطة عنق حريرية يغلب عليها لون "بلعمان"، تسريحة شعري إلى الخلف تلائمني، وضعت قطرات عطر مكثفة خلف أذني وأرنبة أنفي. إني رجل لا يستهان به، ولو كان رأي النقاد معتدلا لكنت محترما وقورا. إن موقف هؤلاء قد ترك مرارة في حلقي. أفك الزر الأعلى لقميصي، وأخفف من ضغط ربطة العنق.
ماذا لو نصحوني بأن أبوح بأحلامي؟.
يتراءى لي جوربي "البيج" من تحت أقصى سروالي. أضع رجلي اليمنى على اليسرى، وأجذب الجورب فوق أشرطة سروال النوم الداخلي، أتلهى بشعيرات شاربي. أنا رجل محترم دون شك، وأتحدى رأي زوجتي الداخلية التي تشكك في عنفوان ذكورتي.
يتوافد البعض، أغلبهم من الذكور، يغيظني ذلك، فتواجد الجنس الآخر بهذا المكان يلطف الجو وينبئ بالامتناع والمؤانسة.
تتصاعد حرارة المكان، وتتعالى ضحكات وتعليقات الرواد، يطبق عليها تعليق سي لحسن "أرى برع"، "أطحن"، وهو يدور بين الطاولات الثملة المكتظة، يقظا، متوجسا، يقطع نصفه حزام علقت عليه محفظة يملأها بسخاء السكارى، يضع أمامي الجعة المثلجة، حبات لؤلؤ تحضنها. أهي الثامنة، أم التاسعة بعد العاشرة أو العشرين؟ لم أعد أضبط العدد. من المؤكد أنها حسناء لم تتجاوز العشرين، أصبها زخات متتابعة تجرف معها المرارة، كل المرارة، فشلي في الكتابة. ضعفي أمام الآخرين، وكرهي لزوجتي. أفك أسر الدائرة المذهبة من ربقة المسمار المكعب الرأس، وأوسع من الحزام الأسود لأترك مجالا لمجرى الجعة، تمتصها أمعائي بتلهف، يجف حلقي، واشعر برغبة مجنونة في الارتواء. أشير بيدي أو بأصبعي.ينبري سي لحسن – أرى برع – قنينات ربيعية، تتداعى أمامي، تطفئ ظمئي الأزلي بسيقانها الطويلة المنحوتة، وجيدها الفارع، يشل تفكيري، أتناسى زوجتي الحانقة الراغبة في إغرائي بمجالستها بعد أن استنفذت كل أسرارها، وأنا شهريار الضائع أحن إلى حكايات تمحو لوعة الفشل المتواصل، أنا الثمل الآن، المنتشي بربيع الجعة، وحرارة المكان !
أحلم برضى النقاد، واستجابة عزيزة لنداءاتي. يكــــفي ذكرها لمؤانستي، أراها جسدا بضا، يافعا، تلفحني شظايا أنفاسها، يذوب شوقي ويجري شلالات تقذفني إلى قمة الانتشاء.
حركة نشيطة بين الطاولات، الزحف على أشده نحو مراحيض النادي التي "ثملت" بدورها بعصارة العنب والشعير مع الهموم والحصار، الأقمصة تترك قواعدها، الأحزمة تخفف قبضتها، والسراويل الداخلة إلى المرحاض والخارجة منه فقدت التوازن وتماهت مع ارتخاء مخدر.
أنا أحب الجعة وعزيزة، إنهما تمنحاني الثقة في الحياة والحلم والكتابة، لكنني أكره نظرة الاحتياج في عيون أولادي وانعدام جسور التفاهم بيننا وأخاف الموت بمهانة، فلتحي عزيزة التي تخليت لها عن ثروتي، وفديتها عطرا، وردا وعشقا، ولتمت زوجتي، أصرخ وقد قفزت فوق الطاولة المستديرة :
– "بص شوف عزيزة بتعمل إيه – بص شوف عزيزة بتعمل إيه ".
وكانت عزيزة تخلع عني قميصي البني الفاقع وسروالي الكاكي بحركات مدربة وقد تعطلت في فك الأزرار.
أصحاب المجلس لا يبالون بي، ولا تستهويهم عزيزة، يكون سي لحسن المتطفل الوحيد في هذا الوضع الحميمي الذي يضيع على عزيزة فرصة فك الأزرار وكانت آخر مرحلة للاختلاء بها. صوته حازم في إنزالي من الطاولة، وطردي خارج المجلس.
لا أع ما يردد وإن كنت أحس بقوة قبظته على كتفي، أستغرب قسوته علي وقد اعتقدته صديقي، وذات مرة، وكان الطقس خريفيا منع توافد الرواد، تمكن من مجالستي ودعوته إلى الشرب بصحبتي، لكنه فضل ثمنها، أذكر أنه يومها كان غريبا، حزينا، أسر إلي قائلا والعهدة على من أخبر : "تيقن أنني حزين على فقدان دوداييف حزني على وفاة أبي وأم كلثوم، مكانة الثلاثة متكافئة بقلبي، لا تعوض، يعزيني صوت أم كلثوم، وأحلم بدوداييف بكل مكان، وأبي ورثني مسؤولية إخوة ودين، وأنا أعيش على ذكرى الثلاثة، ولن أنساهم ما حييت".
نطق بذلك يومها وانسل بين الطاولات، ولكنه الآن يجرني إلى الخارج، أنا الرجل المحترم ذو البذلة المنسجمة، يرمى بجسمي وسط تاكسي يلفظني إلى البيت.
زوجتي لا تنام، لا تستطيع ذلك قبل أن تجلدني بلسانها، أتمنى باستمرار لو كانت الخمرة كالكتابة تجهل زوجتي فك طلاسمها، لكن رائحة الخمرة العبقة تثير بطشها، زوجتي التي يكبر حنقي عليها على رفض النقاد لأحلامي، وسخطي على عدم فك أزرار قميصي بأنامل عزيزة المدربة. أتجشأ، يلفظ فمي سائلا حارقا، ينعي حلمي بالكتابة والفوز بقلب عزيزة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
